ومنهم : من يشهد فعل اللَّه به في الطاعات ، ولا يشهد جريان القدرة به في المعاصي ، فهو مع اللَّه تعالى من حيث تجلي أفعاله في الطاعات . وإنما حجب اللَّه تعالى عنه فعله به في المعاصي رحمة به لئلا تقع منه المعصية ، وذلك دليل على ضعفه ، لأنه لو قوي لشهد فعل اللَّه تعالى به في المعاصي كما شهده في الطاعات ويحفظ عليه ظاهر شرعه .
ومنهم : من لا يشهد ، أعني : لا يتجلى له فعل الحق به إلا في المعاصي ابتلاء له من الحق ، فلا يشهده في الطاعات . . .
ومنهم : من يكون في شهوده لفعل اللَّه تعالى غير ساكن إلى ما يجريه عليه من المعصية ، فيبكي ، ويتضرع ، ويحزن ، ويستغفر اللَّه تعالى ، ويسأله الحفظ مع صدور المعصية منه لجريان القدرة فيه ، فهذا دليل على صدقه ، وتمحض مشهده ، وبرائته من الشهوة النفسية فيما قضى عليه به .
ومنهم : من لا يتضرع ، ولا يحزن ، ولا يسأله الحفظ ، ويكون ساكناً تحت جريان القدرة منصرفاً حيث وجهه ، ولا يوجد فيه اضطراب ، وهذا دليل على قوة كشفه في هذا المشهد وهو أعلى من الأول إن سلم من وساوس نفسه .
ومنهم : من يبدل اللَّه معصيته طاعة ، فيشهد جريان القدرة في المعاصي وغيرها ، ويشهده اللَّه جريان المعصية عليه ويكتبها اللَّه عنده طاعة ، فلا يجري عليه عند اللَّه اسم معصية .
ومنهم : من تكون نفس معصيته طاعة لموافقته لإرادة اللَّه تعالى ، ولو أمر بخلاف ما أريد منه ، فيكون العبد في هذا المشهد عاصياً من جهة الأمر والمخالفة ، مطيعاً من جهة الإرادة والموافقة وذلك إن أُشهد أولًا قبل الفعل إرادة الحق منه ، فما أتاه الاسم إلا موافقاً لإرادته ، وهو مع ذلك ناظر إلى جريان القدرة فيه وتقليب الحق له .
ومنهم : من يبتلى فيتجلى اللَّه له فيما يذم حقيقة وشر ما ، فيشهد تقلب الحق له في الخذلان ، فيأتيها وهو يعلم أنه مخذول وذلك لما اقتضاه حكم مشهده من ظهور الحق له في ذلك الفعل . . . فتجلي الحق في أفعاله حجاب عن تجلياته في أسمائه وصفاته » « 1 »
هامش
( 1 ) الشيخ عبد الكريم الجيلي - الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل - ج 1 ص 34 - 35 .