تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣

[ مسألة - 1 ] : من صفات الأرض وطبائعها

الشيخ الأكبر ابن عربي قدس اللَّه سرّه :

يقول : « طبع الأرض : فهي الذلول التي لا تقبل الاستحالة ، فيظهر فيها أحكام الأركان ، ولا يظهر لها حكم في شيء تعطي جميع المنافع من ذاتها . هي محل كل خير ، فهي أعز الأجسام لا تزاحم المتحركات بحركتها ، لأنها لا تفارق حيزها ، يظهر فيها كل ركن سلطانه . وهي الصبور القابلة الثابتة الراسية ، سكن ميدها جبالها التي جعلها اللَّه أوتادها ، لما تحركت من خشية اللَّه آمنها اللَّه بهذه الأوتاد فسكنت سكون الموقنين ، ومنها تعلم أهل اليقين يقينهم ، فإنها الأم التي منها أخرجنا وإليها نعود ومنها نخرج تارة أخرى . لها التسليم والتفويض ، هي ألطف الأركان معنى ، وما قبلت الكثافة والظلمة والصلابة إلا لستر ما أودع اللَّه فيها من الكنوز لما جعل اللَّه فيها من الغيرة ، فحار السعاة فيها ، فلم يخرقوها ولا بلغوا جبالها طولا . أعطاها صفة التقديس ، فجعلها طهورا في أشرف الحالات وذلك عند الاضطرار لما أقامها مقامه ، مثل الضمآن يرى السراب فيحسبه ماء ، فإذا جاءه لم يجده شيئا يعني ماء ووجد اللَّه عنده فما وجد اللَّه إلا عند الضرورة ، كذلك طهارة الأرض لا تكون إلا لفاقد الماء على ما كان من الأحوال . فانظر ما أشرف منزلها . ثم أنزلها منزلة النقطة من المحيط ، فهي تقابل بذاتها كل جزء من المحيط وينظر إليها كل جزء من المحيط ، فكل خط منها يخرج إلى المحيط على السواء والاعتدال ، لأنها ما تعطي إلا بحسب صورتها ، وكل خط من المحيط إليها يقصد ، فلو زالت زال المحيط ولو زال المحيط لم يلزم زوالها . فهي الدائمة الباقية في الدنيا والآخرة . أشبهت نفس الرحمن في التكوين . واعلم أن اللَّه تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد كما كانت السماء ، ففتق رتقها وجعلها سبعة أطباق كما فعل بالسماوات ، وجعل لكل أرض استعداد انفعال لأثر حركة فلك من أفلاك السماوات وشعاع كوكبها » « 1 »
هامش
( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 455 .