أخرويين ، والأخروى هو الذي يعمل في الدنيا للآخرة وليس للدنيا ، بينما العلمانى يعمل للدنيا ، وغايته هذا العالم وليس الآخرة . وربما يكون اشتقاق علمانية ( بكسر العين ) من العلم ، فقد قام التنوير على العلم ، أي علم الدنيا ، وليس على الدين . والعلمانيون ( بفتح العين أو كسرها ) في بلاد الإسلام هم الذين ينادون بتطبيق القوانين الوضعية ، باعتبار القانون يصاغ من أجل المصلحة ، والمصالح تتغاير ، وتتغاير من ثمّ القوانين ، ولا يرون إمكان أن تظل الشريعة الواحدة تحكم الناس لمئات وألوف السنين بلا تبديل ، فذلك هو الجمود واللا معقول ، وكانت الشريعة لازمة في طفولة الإنسانية ، ونحن الآن في عصر العقل والعلم ، وقد بلغت الإنسانية الرشد ، وأن لها أن تشرّع لنفسها بحسب العصر والمصر . ومن دعاوى العلمانيين أن العلم والفلسفة الوضعية أثبتا أنه لا حقيقة وراء الحس والواقع الحسى ، وأن العقل العلمي يتجاوز مرحلة الأديان والميتافيزيقا . وغاية العلمانيين في بلادنا اللحاق بالفكر الغربى ، ومواكبة الثورة العلمية الصناعية التكنولوچية . وما يسمونه العولمة أو الكوّكبة
Globalism
هي فلسفة الداعين إلى عالم واحد ليس فيه قومية ، ولا وطنية ، ولا ديانات ، ولا أحزاب ، وإنما الانفتاح يحكم الجميع ، والديموقراطية هي مذهب الكل ، وحرية التجارة مكفولة ، فلا حدود ، ولا اضطهادات سياسية أو دينية ، والإنسان مهما كان ، وأنّى كان ، له حقوق ، والفلسفة العلمانية مؤدّاها أن لا معاني ولا قيم لغير المحسوس والمنظور والمسموع والمطعوم والمشروب ، والانتصار للمصلحة يغلب على وصاية الدين . وفي العلمانية يتميز العلمانى القحّ عن العلمانى المسلم أو المسيحي أو اليهودي ، حيث الأول ينكر الدين تماما ، ويغلّب العقل والعلم ، واهتمامه بهذه الحياة الدنيا ، والثاني يؤمن بالآخرة ، ويراعى العبادات ، ولكنه في المصلحة والتشريع يتابع القوانين الوضعية . والعلمانى المسلم مثلا يصلى ويصوم ويزكىّ ، ولكنه لا يرى الأخذ بالاقتصاد الإسلامي ، ولا بالشريعة الإسلامية ، وينكر الحدود ، وينتقص من الشورى . والتنوير والليبرالية والديموقراطية من المصطلحات العلمانية الأساسية . وكان التنوير في أوروبا ضد الدين ، وتقوم الليبرالية على الدعوى للتحرر ، وأما الديموقراطية فهي مذهب المنادين بأن يكون القانون وضعيا وليس تشريعا إلهيا .
ويبدو أن للعلمانية كذلك معنى آخر عند البعض ، فكان هيربرت الشيربورى ( 1573 - 1648 ) يدعو إلى ديانة علمانية ، وله كتاب « عن الديانة العلمانية
« De Religione Laici
( 1645 ) يقول فيه : إن الديانات الكتابية كانت بالوحي ، والوحي انتهى ، وليس صحيحا أن الوحي قد اقتصر على شعوب دون شعوب ، ولكنه متاح لكل فرد ، وما على الفرد إلا أن