إذا وصلت إلى ماهيّة المعقول وحصّلتها كان ذلك إدراكا لها من هذه الجهة ، فالمعنى المقصود منه في الحكمة مطابق للمعنى اللغوي ، بل الإدراك واللقاء الحقيقي لا يكون إلّا هذا اللقاء أي الإدراك العلمي .
وأمّا اللقاء الجسماني فليس هو بلقاء في الحقيقة ، وقوله تعالى :
قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
( الشعراء ، 26 / 61 ) ، وقولهم أدرك الغلام وأدركت الجارية إذا بلغا ، وأدركت الثمرة كلّها حقائق لغوية لكنّها مجازات حكمية سيّما على القول باتّحاد العاقل والمعقول . ( صدر الدين الشيرازي ، الأسفار الأربعة 3 ، 507 ، 16 ) .
* في العلوم
- الإدراك على وجهين : بالبداهة ولا تتحقّق به صورة سواء كان مجرّدا أو مع تقدّم المعرفة ، وبالتأمّل وهو أيضا على وجهين : إما مجرّد عن تقدّم المعرفة أو مقترن به . ( أبو حسن الفارسي ، تنقيح المناظر 1 ، 235 ، 11 ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- لمّا كان الإدراك إمّا تصوّرا أو تصديقا فكذا المطلوب . فإن كان تصوّرا سمّي طريقه معرّفا ، وإن كان تصديقا سمّي دليلا وهو يشمل الظّنّي والقطعيّ وقد يخصّ بالقطعيّ .
ويسمّى الظّنّيّ أمارة وقد يخصّ بما يكون من المعلول على العلّة ويسمّى عكسه تعليلا .
( لويس شيخو ، علم الأدب 1 ، 30 ، 6 ) .
- إن الإدراك إن كان هو مجرّد ارتسام الصور فقد تكرّر غير مرة أنه لا يصحّ موجبا للعلم .
وإن كان الانفعال بتلك الصور فهو هو أو قريب منه وحكمه حكمه . فليس الإدراك إلّا تجلّي نفسك بالصور على حسب الاستعداد ، فإدراكك لنفسك في تلك الحالة إدراك لتلك الصور بعينه فأدركت نفسك بنفسك وما أدركت خارجا عنك ، ولكن بالتجوّز تقول أدركت زيدا الخارجي ولكنك ظهرت بمطابقه فقلت ظهرت به وهذا دقيق . ( محمد رشيد رضا ، محمد عبده 2 ، 18 ، 11 ) .
- إن مجرّد الإدراك لا يؤثّر في الحياة إلّا تأثيرا جزئيّا ، أما العمل فإنه متّصل بالحقيقة اتصالا قويّا فعّالا ، وهو يصدر عن موقف للإنسان إزاء الحق ثابت على وجه العموم . ( محمد إقبال ، التفكير الديني في الإسلام ، 213 ، 6 ) .
* تعليق
* في علم الكلام
- الإدراك هو مما يختصّ به اللّه وحده وذلك عند الأشاعرة ومن تبعهم من أهل السنّة .
كما ويكوّن الإدراك معنى زائدا على العلم ، واللّه يخترعه في الأبصار عند وجود الضياء .
أما عند المعتزلة فقد اختلفت المسألة ، وكان للإدراك لديهم معان متعدّدة ومختلفة من حلم ونضج ورؤية إذا قرن بالبصر ؛ أما إذا قرن بالنفس فقد أدخل دائرة العلم . وعليه فإنه يظهر كطريق للعلم في حال كون المدرك اختصّ بجملة العلوم ، أي بتوافر الأوّليات البديهية ، وفي حال كون المدرك واضحا جليّا .
إن الإدراك صحيح وإن لم يؤدّ إلى العلم ( مسألة السراب ) ، فهو لا يخطئ إنما المدرك هو الذي يخطئ .