المقدّمة
سيرة الفارابي
إن نسب الفارابي ( 257 - 339 ه / 870 - 950 م ) إلى مدينة خراسانية تركية من حيث الولادة ، وأصل والده الفارسي ، جعلا بعض النقّاد يجدون أنهما السبب في قولبة مناحيه الفكرية وركاكة أسلوبه في البدايات ، مما ألزمه التضلّع بالعربية وتعلّم لغات عدّة وفقا لرواية ابن خلكان . وقد ذكر المسعودي أنه ربما يكون قد أشرف على تأسيس مكتبة ضخمة ورصف مخطوطاتها في فاراب ، والتي دمّرها جنكيزخان بعد قرون . وهذا دليل يؤكّد على حياة العزلة التي كان ينشدها فيلسوفنا ، منصرفا إلى التعلّم والتأمّل ، والانكباب على تحصيل المعرفة في بغداد التي قصدها وهو يناهز الأربعين من عمره .
إن ثقافة الفارابي الموسوعية قامت على عدّة مقاييس واتجاهات . درس المنطق على يد أبي بشر متى بن يونس ( 328 ه / 939 م ) ، وتعمّق في مسائل الاورغانون كالقضايا والأقيسة والبراهين على أنواعها كما يظهر الأمر من كتبه المنطقية جمعا وتلخيصات وشروحات . وقد كان يجري المقارنات بين الألفاظ في بعديها النحوي والمنطقي . هذا ما دفع بعض المؤرخين إلى إيراد اسم ابن السرّاج النحوي للدلالة على تأثّر الفارابي بتعاليمه . فأشار ابن أبي أصيبعة إلى أن الفارابي كان يجتمع به ، ويتبادلان المعارف كلّ في نطاق اختصاصه . وفحوى هذه اللقاءات يعكس العلاقة الوثيقة التي أثارها علماء ذاك العصر بين علوم النحو والمنطق ، والتي أبرزتها بشكل رئيس المناظرة الشهيرة التي جرت بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي حول العلاقة بين اللفظ والمعنى ، اللسان العربي واللسان اليوناني ، بين النحاة والمناطقة