والعادة أن عين المحبّ تموّه على قلبه ، حتى يستحسن ما ليس بحسن ، أو ما لم يبلغ الغاية التي تخيّلها أو اعتقدها .
وفي النوم انقلبت هذه العادة ، وصار القلب يخيّل أن العين ترى ما ليس تراه على الحقيقة .
فإن قيل : التخيل والاعتقاد إنما هو بالقلب ، في نوم أو يقظة ، ولا حظّ للعين فيه في الحالين . فالجواب أن الأمر على ذلك ، لكن العين في اليقظة تكون سببا لتخيل القلب فرط حسن بعض الأشخاص ، وإن لم يكن كذلك ، فأضيف التمويه إليها ؛ لأنها كالسبب فيه .
وفي النوم يعتقد النائم بقلبه ، ويتخيل أنه يرى بعينه ما ليس يراه على الحقيقة ، فصار القلب سببا لتخيل شيء يضاف إلى العين ، من رؤية ما ليس يراه ، فكأن التمويه ها هنا من القلب على العين ، وليس يحتمل الشعر هذه المحاسبة والمناقشة ، والإشارة فيه تكفي . وقد قصصنا خبر هذه الأبيات فيما أخرجناه لأخي رحمه اللّه .
ولي أيضا :
أمنك سرى طيف وقد كاد لا يسري * ونحن جميعا هاجعون على الغمر « 1 »
هامش
( 1 ) قال ياقوت في معجم البلدان ( 4 / 211 ) : الغمر : بفتح أوله ، وسكون الثانية ، هو الماء الكثير المغرق ، وثوب غمر إذا كان واسعا . والغمر : بئر قديمة بمكة . قال أبو عبيدة : حفرت بنو سهم الغمر فقال بعضهم :نحن حفرنا الغمر للحجيج * تثج ماء أيما ثجيجوغمر أراكه : موضع آخر . وغمر بني جذيمة بالشام ، قال عدي بن الرقاع :لمن المنازل أفقرت بغباء ؟ * لو شئت هيجت الغداة بكائي
فالغمر غمر بني جذيمة قد ترى * مأهولة فخلت من الأحياء
لولا التجلد والتعزي إنه * لا قوم إلّا عقرهم لفناء
ناديت أصحابي الذين توجهوا * ودعوت أخرس ما يجيب دعائيوغمر طيء ، قال الكلبي : سمي بطيء رجل من العرب الأولى . وغمر ذي كندة : موضع وراء وجرة بينه وبين مكة مسيرة يومين . قال عمر بن أبي ربيعة :إذا سلكت غمر ذي كندة * مع الصبح قصدا لها الفرقد
هنالك إما تعزّي الفؤاد * وإما على إثرهم تكمد. . . وقال أبو عبيد السكوني : الغمر بحذاء توز شرقيه جبل يقال له : الغمر ، وتوز من منازل طريق مكة من البصرة معدودة في أعمال اليمامة .