زائر ، أشرقت لرؤيته * أغوار أرض العراق بعد نجوده
أرب النفس كلّه ومتاع * العين في خدّه وفي توريده
معطيا من وصاله في كرى النّو * م الذي كان لمانعا في صدوده
يقظات المحبّ ساعات بوسا * ه ونعماء عيشه في هجوده
مع وصف خيال المحبوب بأنه يبذل في النوم ما كان يضن به في اليقظة ، ويصل في هذه الحال بعد صدوده في غيرها ، وأن النعيم والمنفعة في الهجود مع طيف الخيال ، كما أن الشقاء والمضرة في اليقظة مع هجران الحبيب وصدوده ، فهو جادة مسلوكة ، وجهة مأنوسة للشعراء ، وسيجيء في شعري من ذلك ما سيوقف عليه بمشيئة اللّه . والحكم في تجويد وتقصير وإحسان وإساءة إلى من عرف ثم أنصف .
وقال البحتري أيضا :
وما انفكّ داعي البين حتّى تزايلت * قباب بناها حاضر وخيام
عشية ما بي عن شبيث ترحّل * فأمضى ولا لي في شبيث مقام
فما نلتقي إلّا على حلم هاجد * يحلّ لنا جدواك وهو حرام
قال الآمدي : « وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب » ، وقد صدق في مقالته ، وأنصف في شهادته . ومعنى قوله : « يحل لنا جدواك وهو حرام » : إنا نظفر في الحلم بما كنا نرد عنه في اليقظة ، وننال ما كنا نذاذ عنه . فعبر عن البذل بالتحليل ، وعن المنع بالتحريم ، وهذا مليح ، ومن بارع البلاغة والفصاحة ؛ لأن الحظر والتحريم منع من الشيء وإن فعل .
والتحليل بذل له وإن هجر قال - أدام اللّه علوه - والذي أرويه : « يحل لنا جدواك وهي حرام » ، لأن الجدوى مؤنثة . وقد رواه الآمدي على التذكير ، وقد يجوز ذلك على المعنى ؛ لأن معنى الجدوى هو العطاء والفضل والإحسان .
وقال البحتري :
أرجّم في ليلي الظنون وأرتجي * أواخر حبّ أخلفتني أوائله
وليلة هوّمنا على السيس أرسلت * بطيف خيال يشبه الحقّ باطله
فلو لا بياض الصّبح كان تشبّثي * بعطفي غزال بتّ وهنا أغازله
وكم من يد لليل عندي حميدة * وللصبح من خطب تذمّ غوائله
قوله « يشبه الحق باطله » من مليح الكلام ومقبوله . وقال الآمدي عقيب هذه