أهلا بطيفك من زورك أتاك به * حديث نفسك عنه وهو مشغول
فقوله « وهو مشغول » : أي أنه لم يزرك على الحقيقة ، فبنى أبو تمام من هذا قوله « ما زارك الخيال » ، وبنى من قوله « أتاك به حديث نفسك » قوله « ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال » : فالمعنى كله لجران العودة ، وإنما غير أبو تمام اللفظ .
وما كان عندي أن مثله يذهب عليه ما قصده أبو تمام مع وضوحه . ومعنى « وهو مشغول » : أي مشغول عنك ، لا تخطر بباله ، ولا يحدث نفسه بك . كما تحدث نفسك به ، ويخطر ببالك ولا يفارق ذكرك . وأراد أن يقال : قوله : حديث نفسك عنه الذي جعله سببا للطيف وتخيله ، فقابل بقوله « وهو مشغول » : أي لا يحدث نفسه بك ، كما تحدث نفسك به .
فأما طعن الآمديّ على الأبيات الميمية التي لأبي تمام ، ودعواه أنه لا حلاوة لها ولا طلاوة ، فمن قبح العصبية ، لأن قوله :
الليالي أحفى بقلبي إذا ما * جرحته النّوى من الأيّام
صحيح الوضع ، مليح المعنى ؛ لأنه إذا كان لا تلاقي بينه وبين محبوبه نهارا ، ولا وصل ولا قرب ، وأن ذلك كله يكون ليلا ؛ فالليل أنفع له من النهار وأمتع . وأي شيء يراد من أبي تمام أن ينتهي إليه في هذا البيت أكثر من هذا ؟ وأما البيت الثاني فجيد المعنى ، مليح اللفظ . ومن عذب اللفظ وغريبه قوله « سرّ من الأجسام » ؛ لأنه لا حظّ للأجسام في الانتفاع بطيف الخيال ، وجعل ذلك التمثيل والتخيل إنما هو للأرواح ، متفردة عن الأجسام ، على مذهب من يرى من الفلاسفة أن السبب في رؤيا المنام ، اطلاع النفس من عالمها على ما يكون في الأمور ، ويجعلون للنفس ثيابا وقواما من غير توسط الجسد .
وهذا إن كان مذهبا باطلا ، فقد دلت الأدلة الصحيحة على فساده ، فيجوز أن يستعيره الشاعر في بعض كلامه تعريبا وتقريبا .
قال - أدام اللّه علوه - ولي على هذا البيت في وصف الخيال :
تلاقينا بأرواح * وفارقنا بأجساد
وقال - أدام اللّه علوه - وستجيء هذه الأبيات فيما أخرجه من ديوان شعري بمشيئة اللّه .
فأما البيت الثالث الذي أوله « مجلس لم يكن له فيه عيب » فهو قريب ، وليس يهجّنه إلا لفظة الدعوة ، فإنها كلمة عامية ، قلما يستعملها الفصحاء الشعراء . فالطعن على هذه