وقولي أيضا :
حتى التقينا على رغم الرّقاد وما * ذاك اللقّاء سوى وسواس ذكراك
أما سلب الطيف العلم بما وقع الانتفاع به منه ، وأنه لا يدري ولا يشعر به ، فالبحتري يعيده ويبديه . ويأتي في شعري منه الكثير بصور مختلفة ، وصيغ غير مشتبهة .
ومع الاشتراك في المعاني ، إنما يقع الإحسان في حسن النسج ، وسلامة السبك ، وأن تكون العبارة عن ذلك المعنى ناصعة ، وفي القلوب متقلبة .
وقال البحتري أيضا :
إنّ ريّا لم تشق ريّا من الوصل * ولم تدر ما هوى العشاق
بعثت طيفها إليّ ودوني * وخذ شهرين للمهاري « 1 » العتاق « 2 »
زار وهنا من الشام فحيّا * مستهاما صبا بأرض العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها * والدّجى في برودة الأخلاق
قد أخذنا من التّلاقي بحظّ * والتّلاقي في النّوم عدل التّلاقي
- يعني بقوله : « عدل التلاقي » : في الحقيقة ، أي في اليقظة ، وهذه الأبيات لا شبهة على متعصب ، فضلا عن منصف ، في حسنها ونصوعها .
وقال أيضا :
وزائر زار من أعقّته * يميل بأنسه ذعرة
كأنّه جاء منجزا عدة * وبتّ في الرّاقبين أنتظره
لم أنسه موشكا على رجل * مدامجا للحديث يختصره
كأنّما الكاشحون قد خرصوا * مكانه أو أتاهم خبره
ومن العجب أن الآمدي ذكر أن هذه الأبيات أحسن وأحلى من التي هي قبلها .
هامش
- رؤبة :
يقتضبون الكذب السملقا
أبو عمرو : يقال للعجوز سملق وسملق وشملق وشملق وعجوز سملق : سيئة الخلق .
( 1 ) المهاري : جمع مهرية ، وهي الإبل المنسوبة لمهرة بن حميدان ، وهم حي عظيم .
( 2 ) والعتاق : الكريمات الأصول .