وقوم نضوا بالموقفين ذنوبهم * ومن حلّ في وادى منى وأتاها
وبالحصيات اللّاتى ينبذن حسبة * ومن قلّها من صخرها ورماها « 1 »
لئن كنت من دار الغرام صحيحة * فلى مهجة لم يبق غير ذماها « 2 »
وزارت وسادي في الظّلام خريدة * أراها الكرى عيني ولست أراها
تمانع صبحا أن أراها بناظرى * وتبذل جنحا أن أقبّل فاها « 3 »
ولمّا سرت لم تخش وهنا ضلالة * ولا عرف العذّال كيف سراها
فما ذا الذي من غير وعد أتى بها * وماذا على بعد المزار هداها ؟
ويا ليتني لمّا نزلت بشعبها * تكون قراى أو أكون قراها « 4 »
وقالوا : عساها بعد زورة باطل * « تزور بلا ريب فقلت : عساها » « 5 »
ألّا نكّب الأنواء دار مهانة * فما عندنا للنّفس غير ضناها « 6 »
مقيم بلا زاد سوى الصّبر والحجى * على شجرات لا أذوق جناها « 7 »
لغيرى أخضرار من فروع غصونها * وليس عليه بل علىّ ذواها
أشيم بروقا لا أرى الغيث بعدها * وأرقب سحبا لا يطلّ نداها « 8 »
ولو كنت أرجوها قنعت فإنّنى * حرمت بها فيما حرمت مناها
وإنّى لمغرور بقوم أذلّة * يحلّون من أرض الهوان ذراها
وإن جئتهم تشكو مضيض ملمّة * تقوا بك مغلول اليدين شباها « 9 »
هامش
( 1 ) الحصيات : جمع الحصى ، وينبذن : يقذفن ، والحسبة : من الاحتساب وهو الأجر والثواب ، وقلها : حملها .
( 2 ) الذماء : بقية الروح في الجسد .
( 3 ) الجنح : الظلام .
( 4 ) القرى : طعام الضيف ، وفي الشطر زحاف مألوف عند الشعراء .
( 5 ) في طيف الخيال « تزور بلا ريب فقلت عساها » .
( 6 ) الأنواء : الأمطار ، والضنى : المرض .
( 7 ) الحجى : العقل .
( 8 ) أشيم : أرى ، ويطل : يمطر ، من الطل : وهو المطر الخفيف .
( 9 ) المغلول : المقيد ، والشبا : حد السيف .