أخنى الزّمان عليهم وسقاهم * كأس الحمام فما ترى من نابس « 1 »
فكأنّهم عصف تحكّم غدوة * وعشيّة فيه هبوب روامس « 2 »
كانت ديارهم نهارا مشرقا * فالآن عدن كجنح ليل دامس « 3 »
وبرغمهم من بعد أن سكنوا الذّرا * سكنوا بطون صفاصف وبسابس « 4 »
لا زال قبرك يا محمّد مفهقا * من كلّ منهمر السّحائب راجس « 5 »
صخب الرّعود كأنّما أجراسه * صبحا وإمساء زئير عنابس « 6 »
وإذا القبور درسن يوما فليكن * قبر به وسّدت ليس بدارس
* * *
وقال في الشيب :
قد كان لي غلس لا فجر يمزجه * فالآن فجرى بلا شئ من الغلس « 7 »
قالوا : تسلّ فشيبات الفتى قبس * فقلت : ذاك ، ولكن شرّ ما قبس « 8 »
وزارني لم أرد منه زيارته * شيب ولم يغن أعواني ولا حرسى
يضئ بعد سواد في مطالعه * لفاغر من ردى الأيّام مفترس « 9 »
هامش
( 1 ) أخنى الزمان عليهم : أتى عليهم فأهلكهم ، والنابس : المتكلم .
( 2 ) العصف : الزرع الذي أكل حبه وبقي تبنه وورق الشجر الساقط ، والروامس : الرياح الدوافن .
( 3 ) الدامس : المظلم .
( 4 ) الصفاصف : جمع الصفصف وهو المستوى من الأرض ، والبسابس : جمع البسبس وهو القفر .
( 5 ) مفهقا : ممتلئا ، والراجس من السحاب : الشديد الصوت .
( 6 ) الأجراس : جمع الجرس . وهو الصوت ، والعنابس : جمع العنبس وهو الأسد .
( 7 ) الغلس : ( بالتحريك ) : الظلمة .
( 8 ) القبس : الشعلة .
( 9 ) الفاغر : الفاتح فاه .