وما انتفعت وطول الهمّ يصحبنى * عمر الحياة بما قد طال من عمرى
وقد غرست غروسا غير مثمرة * وعاد بالكدّ من لم يحظ بالثّمر
من أين لي في جميع النّاس كلّهم * حلو الشّمائل منهم طيّب الخبر ؟
أحلى لقلبى من قلبي وأعذب في * مذاقه لي من سمعي ومن بصرى
وكلّما غمزت كفّى جوانبه * غمزت منه أنابيبا بلا خور « 1 »
أبثّه عجرى حتّى يكون لها * كفيلها وأقضّى عنده بجرى « 2 »
* * *
وقال في النسيب :
ضنّت عليك ضنينة الخدر * يوم الوداع بطلعة البدر « 3 »
ووشى إليك بوشك فرقتها * صوت الغراب وأنت لا تدرى
فذهلت لولا نظرة عرضت * ووجمت لولا دمعة تجرى « 4 »
وكأنّنى لمّا وطأت على * حرّ النّوى أمشى على جمر
ومخضّب الأطراف ما طلنى * بوصاله عصرا إلى عصر
حتّى أزارتنى محاسنه * بعد الهدوّ سلافة الخمر « 5 »
ما كان عندي أنّنى أبدا * متخمّل منّا من السّكر
وكأنّما لعفاف خلوتنا * ذاك التّلاقى كان في الجهر
لا ريبة في كلّ ذاك ولا * قرب ولا قبل على ثغر
والقرب من خاش عواقبه * مثل النّوى ، والوصل كالهجر
* * *
هامش
( 1 ) الأنابيب : جمع الأنبوب وهي قصبة القناة ، والخور ( بفتحتين ) : الضعف .
( 2 ) العجر والبجر : العيوب والأحزان ، أو ما أبدى وما أخفى ( على المجهول ) .
( 3 ) ضنت : بخلت وشحت .
( 4 ) وجم : أمسك عن الكلام من شدة الحزن .
( 5 ) السلافة : أجود الخمر .