تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وأنّه قد مات ، وأنّه قد صعد إلى السماء ؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله ؛ وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنّه الماء ، وفي المردى « 1 » إذا كان في الماء أنه مكسور ؛ وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللّبس ؛ فألّا جاز ذلك في المنام وهو من الكمال أبعد ، وإلى النقص أقرب ! وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنّه يراه إلى أقسام ثلاثة : منها ما يكون من غير سبب يقتضيه ، ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ . ومنها ما يكون من وسواس الشيطان ، يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة ؛ فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنّه يراه ؛ فقد نجد كثيرا من النّيّام يسمعون حديث من تحدّث بالقرب منهم ، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم . ومنها ما يكون سببه ، والداعي إليه خاطرا يفعله اللّه تعالى ، أو يأمر بعض الملائكة بفعله . ومعنى هذا الخاطر أيضا أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع ، فيعتقد النائم أيضا أنّه ما يتضمّن ذلك الكلام . والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة ؛ كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة . وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه ، وفي كل منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحته أنّ اللّه تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأنّ شيئا يكون . وقد كان على بعض الصفات ، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه ؛ فإذا صحّ تأويله على ما يراه ؛ فما ذكرناه إن لم يكن ممّا يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا ؛ فإن في المنامات ما يجوز أن يصحّ بالاتفاق ، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق ؛ فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه . فإن قيل : أليس قد قال أبو عليّ الجبّائيّ في بعض كلامه في المنامات : إن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها ؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة ؛ كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان - وهو مستيقظ - ما لا أصل له .
هامش
( 1 ) المردى : خشبة يدفع بها الملاح السفينة « المجداف » .