تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
وإذا كانت على هذا الوجه احتمل :
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا
وجهين : أحدهما أن يراد به : يلزمكم وواجب عليكم ذلك ؛ كما يقال : عليك درهم ، وعليك أن تفعل كذا ، ثمّ قال :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
، أي أوصى بالوالدين إحسانا . والوجه الآخر أن يريد الإغراء ؛ كما تقول : عليك زيدا ، وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه . ولم يبق بعد هذا إلّا سؤال واحد ؛ وهو أن يقال : كيف يجوز أن يقول تعالى :
أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
، ثمّ يأتي بذكر أشياء غير محرمات حتّى تقدروا لها الوصية أو الأمر ، وصدر الكلام يقتضي أنّ الّذي يأتي به من بعد لا يكون إلّا محرّما ؟ ألا ترى أن القائل إذا قال : تعال أتل عليك ما وهبت كذا وكذا ، لا بدّ أن يكون ما يعدّده ويذكره من الموهوبات ؛ وإلّا خرج الكلام من الصحّة . الجواب عن ذلك أن التحريم لما كان إيجابا وإلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات والمأمورات للاشتراك في المعنى . وأيضا فإن في الإيجاب والإلزام تحريما ؛ ألا ترى أنّ الواجب محرم الترك ، وكلّ شيء ذكر بعد لفظ التحريم فيه على بعض الوجوه تحريم . فإن قيل : ألّا حملتم الآية على ما حملها قوم عليه من أن لفظة « لا » زائدة في قوله :
أَلَّا تُشْرِكُوا
، فكأنّه عزّ وجلّ حرّم أن تشركوا به ؛ واستشهد على زيادة « لا » بقوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
؛ [ الأعراف : 12 ] ، وبقول الشاعر :
فما ألوم البيض ألا تسخرا * لما رأين الأشمط القفندرا « 1 »
وبقول الشاعر :
ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلى * ويزعمن أن أودى بحقّى باطلى
ويلحيننى في اللّهو إلّا أحبّة * وللّهو داع دائب غير غافل
هامش
( 1 ) القفندر : القبيح المنظر ؛ والبيتان في اللسان ( قفندر ) .