تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
على هذا المعنى ؛ وأشعرت باقي النمل ؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام ، وأنّ النجاة في الهرب إلى مساكنها ؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا واستعارة ؛ كما قال الشاعر :
* وشكا إلى بعبرة وتحمحم « 1 » *
وكما قال الآخر :
* وقالت له العينان سمعا وطاعة *
ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة - كما يتكلّم أحدنا - يتضمن المعاني المذكورة ، ويكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام ؛ لأنّ اللّه تعالى سخّر له الطّير ، وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجزة له . وليس هذا بمنكر ؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف ولا كامل العقل ؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض ؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين . والقول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة ؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما . وأمّا حكايته أنّه قال :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
؛ [ النمل : 21 ] ، وكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلّف ولا يستحق مثله العذاب . فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع ، وإن لم يكن مستحقا ؛ وليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا جزاء على أمر تقدم . وليس بممتنع أن يكون معنى
لَأُعَذِّبَنَّهُ
أي لأولمنّه ، ويكون اللّه تعالى قد أباحه الإيلام له ؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة ، كما سخّر له الطير يصرّفها في منافعه وأغراضه ؛ وكلّ هذا لا ينكر في نبىّ مرسل تخرق له العادات ؛ وتظهر على يده المعجزات ؛ وإنّما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة والهدهد مكلّفين ؛ وقد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك .
هامش
( 1 ) لعنترة العبسي ، من المعلقة ص 204 - بشرح التبريزي :* فازورّ من وقع القنا بلبانه *والتحمحم : صوت مقطع ليس بالصهيل .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 353 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم