تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩

مسألة [ « أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه » ]

سئل رضي اللّه عنه عن قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه » . ما معناه ؟ فقال : معنى هذا الخبر أنّ أحدنا إذا كان عالما بأحوال نفسه وصفاته فلا بدّ أن يكون عالما بأحوال من جعله على هذه الصفات ؛ وصيّر له هذه الأحوال والأحكام ؛ لأنّ من علم الفرع لا بدّ أن يكون عالما بأصله الّذي يستند إليه ، ويتفرّع عليه ، وإذا دخل التزايد في العلم وكان بالفرع أعلم فهو بالأصل أعلم . وشرح هذه الجملة أنّ من علم نفسه أنّه محدث مصنوع مخلوق مربوب قادر حىّ ؛ عالم فلا بدّ من أن يكون عالما بمن جعله على هذه الصفات ، وصيّر له هذه الأحوال والأحكام ، ولو لاه جلّ اسمه لم يكن على شيء منها ؛ فالتزايد والتفاضل في أحد الأمرين يقتضي التزايد والتفاضل في الآخر . ولا يلزم على هذه الجملة أن أحدنا قد يعلم نفسه موجودا وإن لم يكن باللّه تعالى عارفا ؛ وهو جلّ وعزّ الّذي أوجده ، ولولاه لم يكن موجودا ، ألا ترى أن الدّهرية يعلمون العالم وما فيه موجودا وإن لم يعلموا أن له موجدا ، وكذلك قد يعلم أحدنا كونه قادرا وعالما وحيّا وإن لم يعلم من جعله على هذه الأحوال ؛ وذلك أنّا إذا أدخلنا لفظة « أفعل » فقلنا : من كان أعلم بنفسه كان أعلم بربّه ، ومن علم نفسه موجودا ولم يعلم موجده وخالقه ليس بأعلم بنفسه ؛ وإن قيل هو عالم ولفظة المبالغة تقتضى أنّه إذا لم يعلم أن له موجدا ومقدرا ومجيبا فليس بأعلم بنفسه . والّذي يبيّن هذا أنّه لا يمتنع فيمن علم قطعة من النّحو أن نقول : إنّه عالم بالنحو ، ولا نقول : هو أعلم . إلا إذا كان مستوليا على جميع علومه ؛ لا يذهب عليه شيء منها . وليس يمتنع أن نعكس لفظ هذا الخبر فنقول : أعلمكم بربّه أعلمكم بنفسه ؛ لأنّه من كان باللّه أعلم فلا بدّ من أن يكون عالما بأنّه خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا ، والجاعل لنا على هذه الأحوال والصفات فمن حيث تعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه جاز أن يجعل كلّ واحد من الأمرين تارة فرعا ، وتارة أصلا .