مسألة [ : إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم ]
وسأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى في سورة يس :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ
؛ [ يس : 6 ] .
قال :
إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم ! وكيف يعاقبهم على عبادة الأصنام وقد قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
؛ [ الإسراء : 15 ] ! وكيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير ، مع قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ فاطر : 24 ] ؛ وقوله تعالى :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ
[ الشعراء : 208 ] وقد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى ، وقرى كثيرة ؛ فكيف هذا ! وأيّ شيء المراد به ومعلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض !
قال : فإن قال : إن « ما » التي في الأمة المتقدمة ليست للنفي بل هي للإثبات ، والمعنى فيها : مثل ما أنذر آباؤهم ، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم ، أو زائدة ؛ لأن الكلام يتم من دونها ؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم .
قال : والجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد ، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه ولا إشكال أنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى عليه السلام إلّا المبعوث على فترة من الرسل صلّى اللّه عليه ؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم ؛ فثبت بهذا أن « ما » التي في الآية المتقدمة للنفي دون الإثبات ، وأن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون .
قال : فإن قيل إن عيسى عليه السلام قد كان بعث إليهم ، وشاعت شريعته فيهم ، وانتشرت كلمته ، وسار الحواريون بدعوته شرقا وغربا ، سهلا وجبلا .
قال : فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى عليه السلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنّما كانت بينه وبين محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وأن الحواريين لم يمكثوا بعده إلّا قليلا ، وأنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين .