غير أنّ المحقّق من عرف القوم أنّ النحويين ما فصلوا بين الاسم والفعل والحرف ؛ من حيث نفى الاشتراك في الحدوث والفعلية ؛ بل فصلوا بينها مع اشتراكها في معنى الفعلية التي يذهب إليها المتكلّمون ؛ لما بينها من الفصل في أحكام أخر ؛ يختصّ بها بعضها دون بعض ؛ فقالوا : الاسم ما دلّ على معنى لا يقترن بزمان ، والفعل ما اقتضى معنى مقترنا بزمان غير مخصوص ، والحرف ما خلا من هاتين العلامتين ؛ فكأنهم قصدوا إلى ما هو فعل حادث على حدّ المتكلّمين ؛ فصنّفوه ونوّعوه ، وسمّوا بعضه اسما ، وبعضه فعلا ، وبعضه حرفا ؛ لاختلاف الأحكام التي عقلوها ؛ فلا لوم في ذلك عليهم ؛ ولا مناظرة فيه معهم ، وبالمناظرة الصحيحة تزول الشّبهات ، وتنحسم التّبعات .
والّذي يجب تحصيله ، والتعويل عليه أنّ الفعل الحادث في أوّل أحوال وجوده يسمّى فعل الحال ؛ فإن تقضّى وعدم صار ماضيا ، والفعل المستقبل هو المنتظر المتوقّع الّذي هو الآن معدوم . فإن فرضنا أنّ الفعل الحادث - الّذي فرضنا أنّه متى تقضّى وعدم صار ماضيا - بقي ولم يتقضّ ؛ إما على مذهب من يقطع على بقاء الأعراض ، أو على مذهب من يتوقّف عن القطع فيها على بقاء أو فناء ؛ فالواجب أن يكون استمراره « 1 » لا يخرجه من استحقاق الوصف بأنّه فعل الحال ؛ لأنّ من هو عليه لم يتغير الحال التي وجبت له عنه ؛ ولا خرج عنها .
ألا ترى أنّا لو فرضنا أنّه تقضّى وعدم ، وخلفه مثل له لكان ذلك الخالف له يستحقّ الوصف بأنّه للحال ؛ وكذلك ما قام مقامه ؛ وأوجب مثل ما يوجبه ، لأنّه لا فرق في التّسمية للجلوس بأنّه فعل حال ؛ بين أن يكون المفتتح بالحدوث من أجزاء الجلوس بقي واستمرّ ؛ وبين أن يكون تجدّد أمثاله ؛ والأول باق أو معدوم بعد أن تكون الحالة المخصوصة ما تغيّرت ولا تبدّلت ؛ ولا فرق أيضا بين أن يكون ذلك الفعل يوجب حالا مخصوصة كالألوان ، أو حكما مخصوصا كالاعتمادات وما أشبهها ؛ في أن الّذي أتت فيه ولم تخرج عنه هو المنعوت بأنه فعل الحال ، وما خرجت عنه فهو الماضي .
هامش
( 1 ) حاشية ط : « قوله : استمراره ، أي الحادث » .