تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
قلنا : من حيث كان المعلوم أنّه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الإيمان . ويجرى هذا مجرى قولهم : اللّهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا ؛ معناه لا تخلّ بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا ؛ ومثله قول الشاعر :
أتاني ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كلّ قائم
أراد : قعد لها كل قائم ؛ فكأنهم قالوا : لا تخلّ بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك ، فنزيغ ونضلّ . وثالثها ما أجاب به أبو عليّ الجبّائيّ محمّد بن عبد الوهاب ، لأنّه قال : المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك . ومعنى هذا السؤال أنهم سألوا اللّه تعالى أن يلطف لهم في فعل الإيمان ؛ حتى يقيموا عليه ولا يتركوه في مستقبل عمرهم ، فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب ، وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب . فإن قال قائل : فما هذا الثواب الّذي هو في قلوب المؤمنين ؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا اللّه تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عنه ؟ وأجاب بأنّ من الثواب الّذي في قلوب المؤمنين ما ذكره اللّه تعالى من الشرح والسّعة بقوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
؛ [ الأنعام : 125 ] ؛ وقوله تعالى لرسوله / عليه وآله السلام :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] وذكر أن ضدّ هذا الشرح هو الضّيق والحرج اللّذان يفعلان بالكفار عقوبة ، قال : ومن ذلك أيضا التطهير الّذي يفعله في قلوب المؤمنين ، وهو الّذي منعه الكافرين ، فقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
؛ [ المائدة : 41 ] . قال : ومن ذلك أيضا كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين ، كما قال اللّه تعالى :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
[ المجادلة : 22 ] وضدّ هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين ؛ فكأنهم سألوا اللّه تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب .