تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قال : وعنى بقوله :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه ، إلّا من يريد أن يكلّمه به ؛ نحو كلامه تعالى لموسى عليه السلام ، لأنه حجب ذلك عن جميع الخلق إلّا موسى عليه السلام وحده في كلامه إياه أولا . فأما كلامه إياه في المرة الثانية فإنّه إنّما أسمع ذلك موسى والسبعين الذين كانوا معه ، وحجب « 1 » عن جميع الخلق سواهم . فهذا معنى قوله عزّ وجلّ :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
، لأن الكلام هو الّذي كان محجوبا عن الناس . وقد يقال : إنّه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الّذي أقام الكلام فيه ؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه ؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلّا في جسم . ولا يجوز أن يكون أراد بقوله :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
أنّ اللّه تعالى كان
مِنْ وَراءِ حِجابٍ
/ يكلّم عباده ؛ لأن الحجاب لا يجوز إلّا على الأجسام المحدودة . قال : وعنى بقوله :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
إرساله ملائكته بكتبه وبكلامه إلى أنبيائه عليهم السلام ، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وإنزاله سائر الكتب على أنبيائه . فهذا أيضا ضرب من الكلام الّذي يكلّم اللّه تعالى عباده ويأمرهم فيه بطاعته ، وينهاهم عن معاصيه ؛ من غير أن يكلّمهم على سبيل ما كلم به موسى ، وهذا الكلام هو خلاف الوحي الّذي ذكره « 2 » اللّه تعالى في أول الآية لأنّه قد أفصح لهم في هذا الكلام بما أمرهم به ونهاهم عنه . والوحي الّذي ذكره تعالى في أول الآية إنّما هو تنبيه وخاطر ، وليس فيه إفصاح . وهذا الّذي ذكره أبو عليّ أيضا سديد ، والكلام محتمل لما ذكره . ويمكن في الآية وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالحجاب البعد والخفاء ، ونفى الظهور . وقد تستعمل العرب لفظة « الحجاب » فيما ذكرناه ؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه ، واستبطأ فطنته : بيني وبينك حجاب ، وتقول للأمر الّذي تستبعده وتستصعب طريقه : بيني وبين هذا الأمر حجب وموانع وسواتر ؛ وما جرى مجرى ذلك ؛ فيكون
هامش
( 1 ) د ، حاشية ف ( من نسخة ) : « حجبه » . ( 2 ) حاشية الأصل : « ش « ذكر » ، بالبناء للمجهول .