مجلس آخر 67
تأويل آية [ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ]
إن سأل سائل فقال : ما تأويل قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
؛ [ البقرة : 22 ] .
وما الّذي أثبت لهم العلم به ؟ وكيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل في قوله تعالى :
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
؛ [ الزمر : 64 ] .
الجواب ، قلنا : هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها ؛ لأنّه تعالى أمرهم بعبادته ، والاعتراف بنعمته ؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التي ليست إلّا من جهته ؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته ؛ وإن العبادة إنّما تجب لأجل النّعم المخصوصة ؛ فقال جل من قائل :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً
إلى آخر الآية ؛ ونبّه في آخرها على وجوب توحيده والإخلاص له ، وألّا يشرك به شيء ، بقوله تعالى :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
.
ومعنى قوله تعالى :
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
أي يمكن أن تستقرّوا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها ؛ وذلك لا يمكن إلّا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون .
وقد استدلّ أبو عليّ بذلك ، وبقوله تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً
على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل ؛ وهذا القدر / لا يدرك ؛ لأنّه يكفى في النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها ؛ وليس يجب أن يكون جميعها كذلك ؛ ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان