تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
والشر ، وقال قوم : أصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ، ثمّ يستعمل في الخير والشر ؛ لأن الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشر جميعا ، كما قال تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
؛ [ الأعراف : 168 ] ، يعنى اختبرناهم ، وكما قال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
؛ [ الأنبياء : 35 ] ، فالخير يسمى بلاء ، والشر يسمى بلاء ؛ غير أن الأكثر في الشر أن يقال : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليته أبليه إبلاء وبلاء ؛ وقال زهير في البلاء الّذي هو الخير :
/ جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو « 1 »
فجمع بين اللغتين ، لأنّه أراد : فأنعم اللّه عليهما خير النعمة التي يختبر بها عباده . وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء وغيره إلى نفسه ، وهو قد ذمّهم عليه ، ووبّخهم ! وكيف يكون ذلك من فعله ؛ وهو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم ! وكان يجب على هذا أن يكون إنّما نجاهم من فعله تعالى بفعله ، وهذا مستحيل لا يعقل ولا يحصل ؛ على أنّه يمكن أن ترد قوله :
ذلِكُمْ
إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة ؛ ويكون المعنى : في تخليته بين هؤلاء وبينكم ، وتركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربّكم عظيم ؛ أي محنة واختبار لكم . والوجه الأوّل أقوى وأولى ، وعليه جماعة من المفسرين . وروى أبو بكر الهذلىّ عن الحسن في قوله تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
، قال : نعمة عظيمة ؛ إذ أنجاكم من ذلك ؛ وقد روى مثل ذلك عن ابن عبّاس والسّدّيّ ومجاهد وغيرهم . فأما إضافة النّجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم ؛ فلو دلّ على ما ظنّوه لوجب إذا قلنا : إنّ الرسول أنقذنا من الشّكّ ، وأخرجنا من الضلالة إلى الهدى ، ونجّانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا . وكذلك قد يقول أحدنا لغيره : أنا نجيتك من كذا وكذا ، واستنقذتك وخلصتك ،
هامش
( 1 ) ديوانه : 109 ؛ والرواية فيه : « رأى اللّه بالإحسان . . » ، وهي رواية الأصمعي .