تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
من تخصيص الآية ؛ فإذا جاز لهم ذلك بالشّبهة جاز لنا مثله بالحجة ؛ وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
؛ [ المزّمّل : 19 ] ،
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
، [ الإنسان : 30 ] ، وقوله تعالى :
وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
، [ المدّثّر : 56 ] ، في تعلّق الكلام بما قبله . فإن قالوا : فالآية تدلّ على مذهبنا وبطلان مذهبكم « 1 » من وجه آخر ؛ وهو أنّه عزّ وجلّ قال :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
؛ وذلك يقتضي أنّه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها ؛ لأن « أن » الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال ؛ وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد في كل حال ، ويبطل ما تذهبون إليه من أنّه إنّما يريد الطاعات في حال الأمر . قلنا : ليس في ظاهر الآية ألّا نشاء إلّا ما شاءه اللّه تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم ؛ وإنّما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر ؛ ويجرى ذلك مجرى قول القائل : ما يدخل زيد هذه الدار إلّا أن يدخلها عمرو ؛ ونحن نعلم أنّه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حال واحدة ؛ بل لا يمتنع أن يتقدّم دخول عمرو ، ويتلوه دخول زيد ، و « أن » الخفيفة وإن كانت للاستقبال على ما ذكروه ، فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها ؛ لأن تقدير الكلام : وما تشاءون الطاعات إلّا بعد أن يشاء اللّه تعالى ، ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال « 2 » . وقد ذهب أبو عليّ محمّد بن عبد الوهاب الجبّائيّ إلى أنّه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال ؛ وإن كان قد أرادها في حال الأمر ؛ كما يصحّ أن يأمر بها أمرا بعد أمر ؛ قال : / لأنّه قد يصحّ أن يتعلّق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفي حال الفعل مصلحة ؛ ويعلم تعالى أنّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب ، وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه .
هامش
( 1 ) حاشية ف ( من نسخة ) : « مذاهبكم » . ( 2 ) حاشية ف ( من نسخة ) : « حال استقبال » .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 539 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم