41 مجلس آخر [ المجلس الحادي والأربعون : ]
تأويل آية [ : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ . . . ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
؛ [ التكوير : 26 - 29 ] .
فقال : ما تأويل هذه الآية ؟ أو ليس ظاهرها يقتضي أنّا لا نشاء شيئا إلّا واللّه تعالى شاء له ، ولم يخصّ إيمانا من كفر ، ولا طاعة من معصية ؟
الجواب ، قلنا : الوجه المذكور في هذه الآية ، أنّ الكلام متعلّق بما تقدّمه من ذكر الاستقامة ؛ لأنّه تعالى قال :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
؟ ثم قال :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
؛ أي لا تشاءون الاستقامة إلّا واللّه تعالى مريد لها ؛ ونحن لا ننكر أن يريد اللّه تعالى الطاعات ؛ وإنّما أنكرنا إرادته المعاصي ؛ وليس لهم أن يقولوا :
تقدّم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ؛ ولا يمنع من عمومه ؛ كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتّى لا يتعدّاه ؛ وذلك أن الّذي ذكروه إنّما يجب فيم يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقل .
وقوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
لا ذكر للمراد فيه ؛ فهو غير مستقل بنفسه ؛ وإذا علّق بما تقدم من / ذكر الاستقامة استقلّ ؛ على أنّه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة ؛ على أن اللّه تعالى لا يريد المعاصي ولا القبائح ؛ على أن مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم ؛ لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه اللّه تعالى ؛ بأن يريدوا الشيء ويعزموا عليه ، فلا يقع لمنع أو غيره ؛ وكذلك قد يريد النبيّ عليه السلام من الكفّار الإيمان ، وتعبّدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه ؛ وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنّه لا يقع ؛ فلا بدّ لهم