تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد في الدّنيا هو ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم ؛ وفي ذلك لا محالة إيلام لهم ، واستخفاف بهم ، وإنّما أراد تعالى بذلك إعلام نبيه عليه السلام والمؤمنين أنّه لم يرزق الكفّار الأموال والأولاد ؛ ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم ، ورضا عنهم ؛ بل للمصلحة الداعية إلى ذلك ، وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الّذي ذكرناه ، فلا يجب أن يغبطوا ، ويحسدوا عليها ؛ إذ كانت هذه عاجلتهم ، والعقاب الأليم في النار آجلتهم ؛ وهذا جواب أبى عليّ الجبّائيّ . وقد طعن عليه بعض من لا تأمّل له فقال : كيف يصحّ هذا التأويل ، مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدي / المسلمين ، ولا يقدرون على غنيمة أموالهم ، ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذّمة والعهد ؟ وليس هذا الاعتراض بشيء ، لأنّه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمّة لهم ولا عهد ؛ ممن أوجب اللّه تعالى محاربته ؛ فأما الذين لا تنالهم الأيدي ، أو هم من القوّة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم ؛ فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب لأنّهم ممن أراد اللّه تعالى أن يسبى ويغنم ، ويجاهد ويغلب ؛ وإن لم يقع ذلك ؛ وليس في ارتفاعه بالتعذّر دلالة على أنّه غير مراد . وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كلّ ما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي لهؤلاء الكفّار المنافقين عقاب وجزاء ، وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض وللنفع . ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته ، وعند احتضاره ، وانقطاع التكليف عنه مع أنّه حىّ ، من العذاب الدائم الّذي قد أعدّ له ، وإعلامه أنّه صائر إليه ، ومنتقل إلى قراره ؛ وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمى المفسرين « 1 » ، وذكره أبو عليّ الجبّائيّ أيضا .
هامش
( 1 ) حاشية الأصل : « نسخة الشجري : أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ » .