فخصّا الحزن للمعنى الّذي ذكرنا .
* * *
[ تأويل قول العرب : « جاءنا بطعام لا ينادى وليده » : ]
وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابىّ قال : العرب تقول جاءنا بطعام لا ينادى وليده ؛ إذا جاء بطعام كثير لا يراد فيه زيادة ، ووقع في أمر لا ينادى وليده ؛ يقول لا يدعى إليه الصبيان ، ولا يستعان إلّا بكبار الرجال فيه .
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام اللّه علوه : وفي ذلك قولان آخران ؛ أحدهما عن الأصمعىّ قال : أصله من الشدة تصيب القوم حتّى تذهل المرأة عن ولدها فلا تناديه لما هي فيه ، ثمّ صار مثلا لكل شدة ، ولكل أمر عظيم . والقول الآخر عن الكلابىّ قال :
أصله من الكثرة والسّعة ، فإذا أهوى الوليد إلى شيء لم يزجر عنه حذر الإفساد ، لسعة ما هم فيه ، ثمّ صار مثلا لكل كثرة ؛ قال الفرّاء : وهذا القول يستعان به في كل موضع يراد به الغاية ، وأنشد :
لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد * شرائع جود لا ينادى وليدها
* * *
[ أخبار معن بن زائدة : ]
وبالإسناد الّذي تقدم عن ابن الأعرابىّ قال : دخل ودفة « 1 » الأسدىّ على معن بن زائدة الشّيبانىّ فقال : إن رأيت أكرمك اللّه أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسي من رجائك ؛ فإنك قد بلغت حالا لو أعتقنى اللّه فيها بكرمك من تنصّف « 2 » الرجال بعدك لم يكن كثيرا ، وإنّي قد قدّمت الرجاء ، وأحسنت الثناء ، ولزمت الحفاظ ، ثمّ أنشأ يقول :
يا معن إنك لم تنعم على أحد * فشاب نعماك تنغيص ولا كدر
/ فانظر إلى بطرف غير ذي مرض * فربّما صحّ لي من طرفك النّظر
أيّام وجهك لي طلق يخبّرنى * إذا سكتّ بما تخفى وتضطمر
ومن هواك شفيع ليس يغفلنى * وإن نأيت وإن قلّت بي الذّكر
هامش
( 1 ) ودفة ؛ بالفاء ، وضبط في الأصل ، ت بفتح الدال وإسكانها معا .
( 2 ) حاشية ت ، ف : « التنصف : الخدمة ؛ يقال تنصفه إذا خدمه ، والنصيف : الخادم » .