وحكى أن أبا النظام « 1 » جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد ، ليعلّمه ، فقال له الخليل يوما يمتحنه ، وفي يده قدح زجاج : يا بنيّ ، صف لي هذه الزجاجة ، فقال : أبمدح أم بذم ؟
قال : بمدح ، قال : نعم ، تريك القذى ، لا تقبل الأذى ، ولا تستر ما وراء ؛ قال : فذمّها ، قال : سريع كسرها ، بطيء « 2 » جبرها ، قال : فصف هذه النخلة ، وأومأ إلى نخلة في داره ، فقال : أبمدح أم بذم ؟ قال : بمدح ، قال : هي حلو مجتناها ، باسق منتهاها ، ناضر أعلاها ؛ قال : فذمّها قال : هي صعبة المرتقى ، بعيدة المجتنى ، محفوفة بالأذى ؛ فقال الخليل :
يا بنيّ ، نحن إلى التعلّم منك أحوج .
قال سيدنا المرتضى أدام اللّه علوّه : وهذه بلاغة من النظّام حسنة ، لأن البلاغة هي وصف الشيء ذمّا أو مدحا بأقصى ما يقال فيه .
* * *
[ اختبار لبيد بهجائه للبقلة وخبره مع الربيع بن زياد عند النعمان : ]
وشيبه بهذا المعنى خبر لبيد « 3 » المشهور في هجائه « 4 » البقلة ، التي امتحن بهجائها ، واختبر بذمها ، فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها ، وذلك أن عمارة وأنسا وقيسا والربيع بنى زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر ، ووفد عليه العامريون بنو أم البنين « 5 » ، وعليهم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ، وهو ملاعب الأسنّة ، وكان العامريون ثلاثين رجلا ،
هامش
( 1 ) حواشي الأصل ، ت ، ف : « كان النظام شاعرا فصار متكلما ، وبالعكس منه أبو نواس » .
( 2 ) من نسخة بحاشية ت : « بعيد » .
( 3 ) في حاشيتي الأصل ، ف : « كان لبيد صحابيا مخضرما ، وبقي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله زمانا ، وكان مستبصرا حسن الطريقة ، وكان لا يقول الشعر بعد إسلامه ويقول : عوضنى اللّه البقرة وآل عمران والمخضرم : الّذي أدرك الجاهلية والإسلام » .
وانظر الخبر ضمن ترجمة لبيد وذكر نسبه وأخباره في ( الأغانى 14 - 90 - 98 ، والخزانة 4 : 117 ، ومجالس ثعلب 449 - 450 ، وشعراء النصرانية 790 ، والعمدة 1 : 27 ، والحيوان 5 : 173 ) .
( 4 ) من نسخة بحاشية ت : « وهجائه » .
( 5 ) هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية ؛ إحدى المنجبات من العرب ؛ وكان يقال لبنيها الكملة ؛ روى أن عبد اللّه بن جدعان لقيها وهي تطوف بالكعبة ؛ فقال لها : نشدتك اللّه برب هذه البنية ! أي بنيك أفضل ؟ قالت : الربيع ؛ لا بل عمارة ؛ لا بل أنس ؛ ثكلتهم إن كنت أدرى أيهم أفضل » ، ( وانظر الأغانى 16 : 19 ) .