لا جعلنّ عملي كله للّه فلم يزد على عمله الذي كان يعمل قبل ذلك الا انه تغيرت نيته إلى الخير وكان ذلك الرجل يمر بعده بالناس فيقولون رحم اللّه فلانا الان اقبل على الخير .
ثم هب انهم أحبوك واكرموك وخفى عليهم حالك مع أن اللّه تعالى مطلع على فساد نيتك وخبث سريرتك فأي خير لك في مدح الناس وأنت عند اللّه مذموم واي شر لك من ذم الناس وأنت عند اللّه ممدوح من أهل الجنة ومن احضر في قلبه الجنة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند اللّه تعالى استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات فإن لم يكتف بهذا كله فلتأمل في ثلاثة أشياء .
أحدها انه لو قيل لك ان رجلا معه جوهر نفيس لياوس مأة ألف دينار وهو محتاج إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلا وإلى اضعافه ثمنا فحضر من يشتري منه متاعه باضعاف ثمنه مع حاجته إلى الاضعاف أيضا فأبى بيعه بذلك بفلس واحد ا ليس ذلك يكون خسرانا عظيما وعيبا فظيعا ودليلا بينا على دنائة الهمّة وقصور العلم والفهم وضعف الرأي ورقة العقل بل على السفه المحض وهذا بعينه حال المرائي فان ما يناله العبد بعمله من مدحه وحطام الدنيا بالإضافة إلى رضاء رب العالمين وشكره وثواب الآخرة اقلّ من فلس في جنب الف ألف دينار بل في جنب الدنيا وما فيها وأكثر وهذا هو الخسران المبين فإن كان ولا بد لك من هذه الهمة الخسيسة فاقصد أنت الآخرة وهو سبحانه يعطيك الدارين قال النبي صلّى اللّه عليه وآله ان اللّه يعطي الدنيا بعمل الآخرة ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا .
وثانيها ان المخلوق الذي يعمل لأجله وطلب رضاه لو علم انك تعمل لأجله لابغضك ولاستهان بك مضافا إلى مقت اللّه وبغضه وما تعمله للّه خالصا يوجب رضاء الفريقين فكيف يعمل العامل لأجل لو علم بأنه يطلب رضاه لسخط عليه واهانه .
وثالثها ان من حصل له سعى يكتسب به رضاء أعظم ملك في الدنيا فطلب به رضاء كنّاس خسيس فطلب سخط ذلك الملك ورضاء الكنّاس فيكون هذا دليلا على ردائة الرأي وسوء المنظر ويقال له ما حاجتك إلى هذا الكنّاس مع امكانك رضاء الملك وهذا هو الدواء العلمي واما الدواء العلمي فهو ان يعوّد نفسه اخفاء العبادات واغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه اطلاع اللّه سبحانه على عبادته ولا تنازعه نفسه إلى طلب غير علم اللّه وهو امر يشقّ في ابتداء المجاهدة لكن إذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل الطاف اللّه تعالى وبما يمدّ به عباده من حسن التوفيق فان اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فمن العبد المجاهدة ومن اللّه الهداية قال اللّه تعالى والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا الآية .
الأنوار النعمانية — صفحة 260
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٢٦٠