كان باطلا كيف اجرى اللّه هذه الأفعال على أيديهم ويعلموا ان جريان مثل هذا على يدي كفار الهند ونحوهم أشد وأكثر من هذا فلما كان سببا لافتخار مخالفينا ولضعف اعتقاد بعض عوامنا اجراه اللّه على يد بعض شيعتنا لأجل ذلك ومن ثم لم يجره الا على يد عوام مذهبنا الذين لا يعرفون علما ولا عملا كاملا ليعلم ان هذا واضرابه مما لا مدخل له في حقيقة الأديان وبطلانها وقد بقي في هذا المقام كلام طويل الذيل حررناه في المجلد الثاني من كتاب نوادر الاخبار .
وبالجملة فالتصوف ليس في لبس ثياب الصوف واجتناب الثياب الفاخرة ولا في اكل الشعير وترك ما أنعم اللّه به من اللذات وانما التصوف العمل بأوامر الشريعة ونواهيها وترك شبهاتها والزهد فيها ، قال الصادق عليه السّلام ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند اللّه تعالى وقال أمير المؤمنين عليه السّلام الزهد في الدنيا قصر الامل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم اللّه تعالى ، وان أردت العالم الورع فهم علماء شيعتنا في جميع الأعصار ومن ثم لم ينقم عليهم المخالفون الا بسبب المتخلفين وقد شكروا لهم عباداتهم واعمالهم .
وقد كان في قريب من عصرنا مولانا الورع العالم المولى احمد الأردبيلي « 1 » وقد كان من سكّان النجف الأشرف ومن جملة ورعه انه كان يستأجر دابة من النجف ويأخذها من صاحبها ويمضي إلى زيارة الكاظميين والعسكريين عليهم السّلام فإذا أراد الرجوع ربما أعطاه بعض أهل بغداد من الشيعة كتابة ليوصلها إلى بعض أهل النجف فيضع الكتابة في جيبه ويسوق الدابة وهو يمشي من بغداد إلى النجف ويقول إن صاحب الدابة لم يأذن لي في حمل هذه الكتابة على دابته وكان إذا خرج من منزله يضع على رأسه عمامة كبيرة لأجل كل من طلب منه عمامة أو مقنعة قطع له من تلك العمامة فإذا رجع إلى المنزل ربما بقي على رأسه منها ذراع أو أقل ، وكان عام الغلاء يقاسم الفقراء في ما عنده من الأطعمة ويبقى لنفسه مثل سهم واحد منهم .
وقد اتفق انه فعل في بعض السنين الغالية هكذا فغضبت عليه زوجته وقالت تركت أولادنا في نثل هذه السنة يتكففون الناس فتركها ومضى عنها إلى مسجد الكوفة للاعتكاف فلما كان اليوم الثاني جاء رجل مع دواب حملها الطعام الطيب من الحنطة الصافية والطحين الناعم فقال هذا بعثه إليكم صاحب المنزل وهو معتكف في مسجد الكوفة فلما جاء المولى من اعتكافه
هامش
( 1 ) توفى قدس سره سنة ( 993 ) ه ق ودفن في جوار القبة العلوية البيضاء في مدينة العلم ( النجف الأشرف ) قال العلامة المجلسي ( ر ه ) : ( لم اسمع بمثله في المتقدمين والمتأخرين ) .