مغرضا في بحثه مستترا خلف ستار لطيف يخفي وراءه كلمة الحق وأكثر ما
يكون ذلك عند الباحثين الذين يحاولون التوفيق بين رأيين متناقضين .
فالتوفيق من حيث الظاهر والمتبادر إلى العقول جميل ، ولكن الحق لن يجتمع
في رأيين متناقضين أبدا .
وقد استطاع العسكري أن يتخلص في بحثه هذا من العيوب التي
تعترض سبيل الباحث العلمي . فنظر في بحثه نظرة موضوعية مجردة عن
الاشخاص واقدارهم وعن جميع الغايات إلا غاية واحدة ، وهي الحق لذاته ،
ومن ثم استطاع أن يترك العاطفة جانبا وأن يطرح الأهواء وراءه ظهريا ، فالتزم
في بحثه هذا حكم العقل وحده ، كما أنه تحرز من التعصب الأعمى ، فلم
يتعصب لرأي على رأي ، ولا حزب ، ولو كان في هذا الحزب
مذهبه . وليس جمال البحث في أنه وضع دستورا لهذا البحث ، وإنما الجمال
الحقيقي الذي يلفت نظر الباحثين ويستولي على إعجابهم فضلا عن
تقديرهم هو أنه استطاع أن يطبق هذه الدستور تطبيقا عمليا في بحثا هذا ،
وأن يقف من أحاديث أم المؤمنين موقفا حازما يجلي الحقيقة في أبهى حللها حين
آثر الحقائق على أقدار الاشخاص .
وقديما لفت نظري وأنا أخرج كتابي " الاسراء والمعراج في ضوء المنهج
العلمي الحديث " ، أن التقي بحديث مروي عن أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها تنفي فيه كون الاسراء والمعراج كانا بالروح والجسد معا ، وتصر على
أنهما كانا بالروح ، وقد وافقها على هذا الرأي جماعة من الصحابة منهم معاوية
ابن أبي سفيان ( 12 ) فكانت هذه عندي أول لثمة داخلني فيها الشك في صحة
بعض ما روي لنا عن أم المؤمنين من أحاديث ، فحفزني ذلك على أن أبحث
عن بعض ما جاءنا من هذه الأحاديث ، ولكن يأبى الله إلا أن ينفرد الأستاذ
هامش
( 12 ) الدكتور حامد حفني داود " الاسراء والمعراج في ضوء المنهج العلمي الحديث " ص 36 .