لابد للشخصيات المؤثرة في نفوس البشر ، والموجهة إياهم من بصر
بمواقع الكلام ، وبلاغة في القول ، وجزالة في الأسلوب ، وقد أتيت أم المؤمنين
حظا وافرا من كل ذلك .
قال معاوية بعد انصرافه من بيتها ، وكان متكئا على يد مولاها ذكوان :
والله ما سمعت قط أبلغ من عائشة ليس رسول الله صلى الله عليه وآله ( 210 ) .
وقال الأحنف بن قيس : سمعت خطبة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ،
والخلفاء بعدهم ، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ، ولا أحسن منه من
فم عائشة ( 211 ) .
وسأل معاوية زيادا يوما : أي الناس أبلغ ؟ فقال له : " أنت يا أمير
المؤمنين " ، فقال له : " أعزم عليك " ، فقال له : " حيث عزمت علي فأبلغ الناس
عائشة " ، فقال معاوية : " ما فتحت بابا قط تريد أن تغلقه إلا أغلقته ، ولا
أغلقت بابا تريد أن تفتحه إلا فتحته " ( 212 ) .
وفيما مر علينا من محاورات أم المؤمنين مع أم سلمة وأبي الأسود الدؤلي ،
وكتبها ، وخطبها في حرب البصرة وغيرها ( 213 ) دلائل على صدق قول معاوية .
وكانت كثيرا ما تتمثل في كلامها بأشعار لبيد وغيره . وقد حدثت هي
نفسها وقالت : رويت للبيد نحوا من ألف بيت ( 214 ) .
وقالوا : ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتا أو أكثر ( 215 ) .
وذلك بما وهبها الله من ذاكرة قوية ، وإليها كانت تعزو علمها بالطب ،
قال عروة : ما رأيت أحدا أعلم بالطب من عائشة ( رض ) ، فقلت : يا خالة !
هامش
( 210 ) النبلاء 2 / 229 .
( 211 ) النبلاء 2 / 134 .
( 212 ) تهذيب ابن عساكر 5 / 417 .
( 213 ) راجع قبله ص 138 ، و 140 142 ، و 147 ، و 148 ، و 156 ، و 157 .
( 214 ) النبلاء 2 / 138 .
( 215 ) النبلاء 2 / 136 .