الكريم بلغت الذروة ، بل جاوزت الحدود المعروفة فيه ، وكانت نقمتها على
مناوئيهم من آثار شفقتها عليهم ، وفيما سبق ذكره من ترجمتها لأكثر من دليل
على ذلك ، ومن أجلى مظاهر حنوها على أقربائها قصتها مع أخيها محمد بن
أبي بكر ، فإنهما بعد أن اشتركا في الاجهاز على عثمان ، اختلفا بعده ، فدخل
محمد تحت راية علي ، وجرد السيف في وجهها ، وحاربها في البصرة ، حتى إذا
انتهت المعركة أمره علي أن يتعاهد أخته . فلما أدخل رأسه إليها ، قالت : من
أنت ويلك ! ؟ قال : أبغض أهلك إليك ! قالت : ابن الخثعمية ؟ قال : نعم ،
قالت : الحمد لله الذي عافاك ( 206 ) .
ثم قتل محمد هذا في مصر ، وأدخل رأسه في جيفة حمار ، وأحرق ، وبلغ
ذلك عائشة ، فبكت بكاء شديدا .
ولما بلغ أم حبيبة أخت معاوية بن أبي سفيان قتل محمد وتحريقه شوت
كبشا ، وبعثت به إلى عائشة تشفيا بقتل محمد بطلب دم عثمان ، فقالت
عائشة : قاتل الله ابنة العاهرة ، والله لا أكلت شواء أبدا ، ثم ضمت عياله
إليها ( 207 ) .
قال القاسم بن محمد بن أبي بكر : لما قتل معاوية بن خديج الكندي ،
وعمرو بن العاص أبي بمصر ، جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فاحتملني ،
وأختا لي من مصر ، فقدم بنا المدينة ، فبعثت إلينا عائشة ، فاحتملتنا من منزل
عبد الرحمن إليها ، فمات رأيت والدة قط ، ولا والدا أبر منها ، فلم نزل في حجرها
على فخذها ، ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن ، فلما دخل عليها ، قالت له بعد
حمد الله والثناء عليه : يا أخي ! إني لم أزل أراك معرضا عني منذ قبضت هذين
الصبيين منك ، ووالله ما قبضتهما تطاولا عليك ، ولا تهمة لك فيهما ، ولا لشئ
هامش
( 206 ) راجع قبله ص 180 .
( 207 ) تذكرة خواص الأمة في ذكره حرب الخوارج ط . النجف 114 ، وفي التمهيد والبيان
ص 209 ، ذكر امتناعها عن أكل الشواء .