54 - ومنه :
أخبرني بعض من أثق به ، يرويه عمّن يثق به ويُطريه ، أنّه قال :
لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الإفرنج جعلوا واليها رجلًا من المسلمين ، ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها ، وكان هذا الوالي من النواصب ، وله وزير أشدّ نصباً منه ، يُظهر العداوة لأهل البحرين لحبّهم لأهل البيت عليهم السلام ، ويحتال في إهلاكهم وإضرارهم بكلّ حيلة .
فلمّا كان في بعض الأيّام دخل الوزير على الوالي - وبيده رمّانة - فأعطاها الوالي ، فإذا كان مكتوباً عليها : لا إله إلّااللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ خلفاء رسول اللَّه .
فتأمّل الوالي ، فرأى الكتابة من أصل الرمّانة ، بحيث لا يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر ، فتعجّب من ذلك وقال للوزير : هذه آية بيّنة ، وحجّة قويّة على إبطال مذهب الرافضة ، فما رأيك في أهل البحرين ؟
فقال له : أصلحك اللَّه ، إنّ هؤلاء جماعة متعصّبون يُنكرون البراهين ، وينبغي لك أن تُحضرهم وتُريهم هذه الرمّانة ، فإن قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك ، وإن أبوا إلّاالمُقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث : إمّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون ، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها ، أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم ، وتأخذ بالغنيمة أموالهم .
فاستحسن الوالي رأيه ، وأرسل إلى العلماء والأفاضل الأخيار ، والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين ، وأحضرهم وأراهم الرمّانة ، وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شافٍ ، من القتل والأسر وأخذ الأموال ، أو أخذ الجزية على وجه الصغار كالكفّار .
فتحيّروا في أمرها ولم يقدروا على جواب ، وتغيّرت وجوههم ، وارتعدت فرائصهم .