لم يعرف إمامه فكأنّه انتفى عنه أثر الرسالة ، فلو مات حينئذٍ مات بلا تقيّد بإطاعة الرسول ، فيكون موته موت الجاهليّة ، وهذا سرّ قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » يعني في نصب الخليفة من بعدك « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » « 1 » .
فالإمامة عهدٌ من اللَّه معهودٌ لا ينال إلّامَن ابتلاه اللَّه فوجده حقيقاً « 2 » ، قال تعالى :
« وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ » « 3 » .
فكما أنّ الرّسالة يجعلها اللَّه حيث يشاء وليس للنّاس تعيين الرّسول ، فكذا الإمامة لا يجعلها إلّااللَّه فيمن يشاء ، حيث قال : « ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطيِّبِ وَما كانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّه وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ » « 4 » .
وقال تعالى شأنه : « وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّه وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ » « 5 » .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يجب أن يكون في جميع الفضائل مثل النبيّ ، حتّى يتيسّر له القيام بما يقوم به ، وإلّا لم يكمل الدين لأجله ولم يتمّ الحجّة ، فمن عيي عن جواب مسألة أو كلَّ عن دفع ملمّة ، أو هاله شوكة الأعداء ، أو ضلّت به الآراء والأهواء في فصل القضاء ، أو لم يُستجب له دعوة ، أو وجد له في طاعة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله كبوة ولو بخطوة ، فليس ذلك بإمام .
ولا يغرّنّك كثرة مواظبته لحفظ الحدود والوفاء بالعهود ، فإنّ ذلك ممّا يحتمل
هامش
( 1 ) - المائدة : 67 . .
( 2 ) راجع الكافي : 1 / 277 باب أنّ الإمامة عهد من اللَّه عزّ وجلّ معهود من واحد إلى واحد عليهم السلام . .
( 3 ) - البقرة : 124 . .
( 4 ) - آل عمران : 179 . .
( 5 ) - القصص : 68 . .