وبالجملة : أكثر السوَر في القرآن العظيم مشحونة بذكر القيامة والحشر والبعث ، وكلّما ذكر الحشر أفصح عن كونه إعادة الرّوح في العظام النخرة .
ثمّ إذا أراد اللَّه أن يبعث الخلائق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً ، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم « 1 » ، واحيي إسرافيل بأمر اللَّه أوّلًا ، فيأمر فينفخ في الصور ثانيةً ، فتعود الأرواح إلى الأجساد ، فإذا هم قيام من قبورهم ، ينظرون حيارى مرّةً عن أيمانهم ، ومرّة عن شمائلهم « لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنيهِ * وُجُوهٌ يَومَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * اولئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ » « 2 » .
فيومئذٍ « تُبَدَّلُ الأرضُ غَيرَ الأرضِ » « 3 » أرضاً ملساء نقيّة ، وتُنسفُ الْجِبالُ نَسْفاً « 4 » ، « فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فيها عِوَجاً وَلا امْتاً » « 5 » ثمّ ينفخ في الصور ثالثة فإذا هم جميعٌ محضرون للحساب يَوْمَئِذٍ « يَتَّبِعُوْنَ الداعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلّا هَمْساً » « 6 » .
فيجمع اللَّه الناس في صعيدٍ واحدٍ حُفاة عُراة ، فيوقَفون في المحشر حتّى يعرقوا عرقاً شديداً وتشتدّ أنفاسهُم ، فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاماً ، ثمّ ينادي منادٍ من تلقاء العرش : أين النبيّ الامّي ؟ أين نبيّ الرّحمة ؟ أين محمّد بن عبداللَّه ؟
فيتقدّم رسولاللَّه صلى الله عليه وآله أمام الناس كلّهم حتّى ينتهي إلى حوض طوله ما بين أيله « 7 »
هامش
( 1 ) - تفسير القمي : 2 / 253 ، أمالي الصدوق : 149 م 33 ح 5 . وفي البحار : 7 / 39 صدر ح 8 عن التفسير . .
( 2 ) - عبس : 37 - 42 . .
( 3 ) - إبراهيم : 48 . .
( 4 ) - إشارة إلى الآية 105 من سورة طه . .
( 5 ) - طه : 106 و 107 . .
( 6 ) - طه : 108 . .
( 7 ) - أيلة - بالفتح - مدينة على ساحل بحر القُلزُم ممّا يلي الشام . وقيل : هي آخر الحجاز وأوّل الشام . وقيل : مدينة بين الفُسطاط ومكّة على شاطئ بحر القُلزُم تُعدَّ في بلاد الشام . ( معجم البلدان : 1 / 292 ) . .