ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى : « رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ » « 1 » إحداهما الإماتة من الحياة الدنيا ، والأخرى من عالم البرزخ ، والإحياءان : أحدهما في عالم البرزخ ، ثمّ يوم القيامة . وموت أهل البرزخ هو خروج الروح من قوالبهم المثاليّة .
وبالجملة : لابدّ من هذا الموت ، لأنّ يوم القيامة يحيي اللَّه العظام الدارسات ويلج الروح فيه ، فلامحالة يفارق الجسم المثالي ، وهو معنى الموت ، وبعد ما هلك أهل السماوات والأرض ، ينادي الجبّار بصوتٍ من قِبله جهوري يُسمع أقطار السماوات والأرضين « 2 » : « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ » « 3 » ، فلا يجيبه مجيب ، فعند ذلك يقول الجبّار مجيباً لنفسه : « للَّهالْواحِدِ الْقَهّارِ » « 4 »
وأنا قهرتُ الخلائق كلّهم ، وأمتّهم « 5 »
، إنّي
أنا اللَّه لا إله إلّاأنا ، وحدي ، لا شريك لي ولا وزير ، وأنا خلقت خلقي بيدي ، وأنا أمتّهم بمشيّتي ، وأنا أحييهم بقدرتي « 6 » .
فيمكث كذلك إلى ما شاء اللَّه حتّى إذا أراد اللَّه أن يبعث الخلق .
إشارة : إذا تجلّى ربّ العالمين لهياكل الماهيّات والقابليّات بنور الوجود - الّذي هو أضوأ الأنوار وأجلاها - صاروا أحياء ، وقاموا بين يديه متملّقين ، فإذا أراد إماتتها أمسك عن ذلك التجلّي فلم يبق لها بهاؤها وسناها ، وآبت الأنوار إلى مصدرها ومبدأها ، منه المبدأ وإليه المآب « إِنّا للَّهوَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » « 7 » .
والسالك في طريق معرفة اللَّه إذا بلغ بمواظبة الطاعات ومجانبة الموبقات والمرديات ودوام الذكر وكثرة الفكر بحيث انفتح عين بصيرته ، وصفا عن
هامش
( 1 ) - غافر : 11 . .
( 2 ) - في « ع » : والأرض . .
( 3 ) و 4 - غافر : 16 . .
( 4 ) .
( 5 ) - في « ع » : فأمتّهم . .
( 6 ) - تفسير القمّي : 2 / 253 ، عنه البحار : 6 / 324 ح 2 . .
( 7 ) - البقرة : 156 . .