اللَّه بن أسعد اليافعي عن بهلول قال :
بينما أنا ذات يوم في بعض شوارع المدينة وإذا بالصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكي ، فقلت : هذا صبيّ يتحسّر على ما في أيدي الصبيان ولا شيء معه ، فقلت : أي بني ما يبكيك ؟ أشتر لك ما تلعب به !
فرفع بصره اليّ وقال : يا قليل العقل ، ما للعب خُلقنا .
فقلت : يا بني أراك حكيماً فعظني وأوجز .
فأنشأ يقول :
أرى الدنيا تجهز بانطلاق * مشمّرة على قدمٍ وساق
فلا الدنيا بباقيةٍ لحيّ * ولا حيٌّ على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها * إلى نفس الفتى فَرَسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويداً * ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق إلى السماء بعينيه وأشار بكفّيه ودموعه تتحدّر على خدّيه وأشار بقوله : يا من اليه المبتهل ، يا من عليه المتكل ، يا من إذا ما آمِلٌ يرجه لم يُخطِ الامل . .
قال : فلمّا أتمّ كلامه خرّ مغشياً عليه فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه ، فلمّا أفاق ، قلت : أي بني ما أنزل بك وأنت صبيٌّ صغير لم يكتب عليك ذنب ؟
قال : إليك عنّي يا بهلول ، اني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتّقد إلّا بالصغار وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنّم !
فقلت له : أي بني أراك حكيماً فعظني .
فأنشأ يقول :
غفَلتُ وحادي الموت في أثري يحدو * وان لم أرح يوماً فلابدّ أغدو