ثم قال إن شاء الله لم يقيد هذا السكوت بالعذر بل ظاهره السكوت اختيارا
لا اضطرارا فيدل على جواز ذلك .
باب من حلف لا يهدي هدية فتصدق
عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا
أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة ؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه : كلوا ولم يأكل ،
وإن قيل هدية ضرب بيده وأكل معهم . وعن أنس قال : أهدت بريرة إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم لحما تصدق به عليها فقال هو لها صدقة ولنا هدية
متفق عليهما .
قد تقدم الكلام على معنى الحديثين في كتاب الزكاة ، والمقصود من إيرادهما
ههنا أن الحالف بأنه لا يهدى لا يحنث إذا تصدق ، لأن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم كان يسأل عن الطعام الذي يقرب إليه هل هو صدقة
أو هدية ؟ وكذلك قال في لحم بريرة : هو لها صدقة ولنا هدية كما في
حديث الباب ، فدل ذلك على تغاير مفهومي الهدية والصدقة ، فإذا حلف من إحداهما
لم يحنث بالأخرى كسائر المفهومات المتغايرة . قال ابن بطال : إنما كان النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس ، ولان أخذ الصدقة منزلة
ضعة والأنبياء منزهون عن ذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان كما وصفه الله
: * ( ووجدك عائلا فأغنى ) * ( الضحى : 8 ) والصدقة لا تحل للأغنياء وهذا بخلاف الهدية فإن العادة
جارية بالإثابة عليها وكذلك كان شأنه . وفي حديث أنس دليل على أن الصدقة
إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة ، وجاز لمن حرمت
عليه الصدقة أن يتناول منها إذا أهديت له أو بيعت .
باب من حلف لا يأكل إداما بماذا يحنث
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : نعم الأدم الخل
نيل الأوطار — صفحة 115
مساهمون: الشوكاني
ص١١٥