مكية منسوخة بقوله تعالى : * ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) * ( النساء : 93 ) الآية كما أخرج ذلك عنه
البخاري ومسلم وغيرهما ، وكذلك لا حجة له فيهما ، أخرجه النسائي والترمذي عنه أنه
سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يجئ المقتول متعلقا بالقاتل يوم
القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول : يا رب قتلني هذا حتى
يدنيه من العرش . وفي رواية للنسائي : فيقول أي رب سل هذا فيم قتلني
لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز وجل ، وذلك لا يستلزم أخذ
التائب بذلك الذنب ولا تخليده في النار على فرض عدم التوبة ، والتوبة النافعة ههنا
هي الاعتراف بالقتل عند الوارث إن كان له وارث ، أو السلطان إن لم يكن له وارث
، والندم على ذلك الفعل ، والعزم على ترك العود إلى مثله لا مجرد الندم والعزم بدون
اعتراف وتسليم للنفس ، أو الدية إن اختارها مستحقها ، لأن حق الآدمي لا بد فيه
من أمر زائد على حقوق الله وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به . ( فإن
قلت ) فعلام تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب ؟
فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبا بين عينيه الأياس
من الرحمة . والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله . قلت : هما محمولان على عدم
صدور التوبة من القاتل ، والدليل على هذا التأويل ما في الباب من الأدلة القاضية
بالقبول عموما وخصوصا ، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة الذي
تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، وحديث عبادة بن الصامت المذكور
قبله ، فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك التأويل ، ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ
حديث عبادة ومع كون الحديثين في الصحيحين ، بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية ،
وأيضا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل ، فإنه جعل الرجل القاتل
عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت كافرا ، ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرا على ذنبه غير
تائب منه من المخلدين في النار ، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر ،
فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها . وقد قال العلامة الزمخشري في
الكشاف ، إن هذه الآية يعني قوله : * ( ومن يقتل مؤمنا ) * فيها من التهديد والايعاد
والابراق والارعاد أمر عظيم وخطب غليظ ، قال : ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي
من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة . وعن سفيان ، كان أهل العلم إذا سألوا قالوا
نيل الأوطار — صفحة 211
مساهمون: الشوكاني
ص٢١١