عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟
فقال : نعم من يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا
يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى
إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت
ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا فقبله الله ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا
قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما
كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة
الرحمة متفق عليهما . وعن واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم في صاحب لنا أوجب يعني النار بالقتل فقال : أعتقوا عنه يعتق
الله بكل عضو منه عضوا منه من النار رواه أحمد وأبو داود .
حديث واثلة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم . قوله : وحوله عصابة
بفتح اللام على الظرفية . والعصابة بكسر العين الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا
واحد لها من لفظها وقد جمعت على عصائب وعصب . قوله : بايعوني المبايعة هنا
عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى : * ( إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * ( التوبة : 111 ) . قوله : ولا تقتلوا أولادكم قال محمد
بن إسماعيل التيمي وغيره : خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم ، فالعناية
بالنهي عنه آكد ولأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات أو قتل البنين قوله : ولا خشية الاملاق ، أو
خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم تأتوا ببهتان
البهتان الكذب الذي يبهت سامعه ، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم
الأفعال يقع بهما إذا كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي ولذا يسمون
الصنائع الأيادي ، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال : هذا بما كسبت يداك . ويحتمل
أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم شاهد بعضا ، كما يقول : قلت كذا بين
يدي فلان ، قاله الخطابي وقد تعقب بذكر الأرجل ، وأجاب الكرماني بأن المراد
الأيدي وذكر الأرجل للتأكيد . ( ومحصله ) أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا فليس
بمانع ، ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأرجل والأيدي القلب لأنه هو الذي
يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء . وقال أبو محمد بن أبي جمرة : يحتمل
نيل الأوطار — صفحة 204
مساهمون: الشوكاني
ص٢٠٤