فيها مطلقا لأنها ليست راسخة في الفراش ، وقيل : حكمها حكم الأمة المزوجة . قوله :
كذبت يهود فيه دليل على جواز العزل ، ومثله ما أخرجه الترمذي وصححه عن
جابر قال : كانت لنا جوار وكنا نعزل فقالت اليهود إن تلك الموؤودة الصغرى ، فسئل
النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال : كذبت اليهود لو أراد الله خلقه لم
يستطع رده . وأخرج نحوه النسائي من حديث أبي هريرة ، ولكنه يعارض ذلك
ما في حديث جذامة المذكور من تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ذلك الوأد
الخفي ، فمن العلماء من جمع بين هذا الحديث وما قبله ، فحمل هذا على التنزيه ، وهذه
طريقة البيهقي ، ومنهم من ضعف حديث جذامة هذا لمعارضته لما هو أكثر منه طرقا .
قال الحافظ وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم والحديث صحيح لا ريب فيه
والجمع ممكن ، ومنهم من ادعى أنه منسوخ ورد بعدم معرفة التاريخ . وقال الطحاوي :
يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الامر أولا من موافقة أهل
الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه ، وتعقبه
ابن رشد وابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحرم شيئا تبعا لليهود
ثم يصرح بتكذيبهم فيه ، ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح ، وضعف
مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب ، قال الحافظ : ورد بأنه إنما يقدح في
حديث لا فيما يقوي بعضه بعضا فإنه يعمل به وهو هنا كذلك والجمع ممكن ، ورجح
ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة
وحديثها يدل على المنع ، قال : فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان ، وتعقب
بأن حديثها ليس بصريح في المنع ، إذ لا يلزم من تسميته وأدا خفيا على طريق
التشبيه أن يكون حراما ، وجمع ابن القيم فقال : الذي كذب فيه صلى الله عليه وآله وسلم
اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا ، وجعلوه بمنزلة قطع النسل
بالوأد ، فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه ، وإذا لم يرد خلقه لم يكن
وأدا حقيقة ، وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جذامة ، لأن الرجل إنما يعزل هربا
من الحمل ، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد ، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر
بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل ، والعزل يتعلق بالقصد فقط فلذلك وصفه بكونه
خفيا ، وهذا الجمع قوي ، وقد ضعف أيضا حديث جذامة أعني الزيادة التي في آخره
نيل الأوطار — صفحة 349
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٩