المدبرة دون المدبر . وقال الليث : يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه . وقال ابن
سيرين : لا يجوز بيعه إلا من نفسه . وقال مالك وأصحابه : لا يجوز بيعه إلا إذا كان
على السيد دين فيباع له . قال النووي : وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم ،
لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما باعه لينفقه سيده على نفسه ، ولعله لم يقف على
رواية النسائي التي ذكرها المصنف ، نعم لا وجه لقصر جواز البيع على حاجة قضاء
الدين ، بل يجوز البيع لها ولغيرها من الحاجات ، والرواية المذكورة قد تضمنت أن
الرجل المذكور كان محتاجا للبيع لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده . وقد ذهب
إلى جواز البيع لمطلق الحاجة عطاء والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب ، كما حكي
ذلك عنهم في البحر ، وإليه مال ابن دقيق العيد فقال : من منع البيع مطلقا كان الحديث
حجة عليه ، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي ، ومن أجازه في بعض الصور
فله أن يقول قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها ، فلا يلزمه القول به في غير
ذلك من الصور ، وأجاب من أجازه مطلقا بأن قوله في الحديث وكان محتاجا لا
مدخل له في الحكم ، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز
البيع ، ولا يخفى أن في الحديث إيماء إلى المقتضى لجواز البيع بقوله : فاحتاج وبقوله :
اقض دينك وأنفق على عيالك . ( لا يقال ) الأصل جواز البيع والمنع منه يحتاج إلى
دليل ، ولا يصلح لذلك حديث الباب ، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة ، ولا دليل
على اعتبارها في غيره ، بل مجرد ذلك الأصل كاف في الجواز لأنا نقول : قد عارض
ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق ، فصار الدليل بعده على مدعي الجواز ، ولم يرد الدليل
إلا في صورة الحاجة ، فيبقى ما عداها على أصل المنع . وأما ما ذهب إليه الهادوية
من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة فليس على ذلك دليل إلا ما تقدم
عن عائشة من بيعها للمدبرة التي سحرتها ، وهو مع كونه أخص من الدعوى لا يصلح
للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول الصحابي وفعله ليس بحجة . ( واعلم )
أنها قد اتفقت طرق هذا الحديث على أن البيع وقع في حياة السيد إلا ما أخرجه
الترمذي بلفظ : أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات وكذلك رواه الأئمة
أحمد وإسحاق وابن المديني والحميدي وابن أبي شيبة عن ابن عيينة ، ووجه البيهقي الرواية
المذكورة بأن أصلها : أن رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث فمات
نيل الأوطار — صفحة 214
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٤