تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
عصمه اللّه بلطفه وتوفيقيه من ذلك ، والأول قول الأكثرين قالوا : لأن ابن عباس قال : إنها نزلت في قرط بن عبد اللّه بن عمرو بن نوفل القرشي ، وأيضا فقوله :
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ
[ العاديات : 9 ] لا يليق إلا بالكافر ، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر . الثاني : من الأمور التي أقسم اللّه عليها قوله :

[ سورة العاديات ( 100 ) : آية 7 ]

وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وفيه قولان : أحدهما : أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك ، إما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده ، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني : المراد وإن اللّه على ذلك لشهيد قالوا : وهذا أولى لأن الضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب هاهنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه يحصى عليه أعماله ، وأما الناصرون للقول الأول فقالوا : إن قوله بعد ذلك :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
الضمير فيه عائد إلى الإنسان ، فيجب أن يكون الضمير في الآية التي قبله عائدا إلى الإنسان ليكون النظم أحسن . الأمر الثالث : مما أقسم اللّه عليه قوله :

[ سورة العاديات ( 100 ) : آية 8 ]

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) الخير المال من قوله تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
[ البقرة : 180 ] وقوله :
وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
[ المعارج : 21 ] وهذا لأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيرا كما أنه تعالى سمى ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءا في قوله :
لَمْ يَمْسَسْهُمْ / سُوءٌ
[ آل عمران : 174 ] والشديد البخيل الممسك ، يقال : فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد
ثم في التفسير وجوه أحدها : أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها : أن يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة اللّه وشكر نعمه ضعيف ، تقول : هو شديد لهذا الأمر وقوي له ، وإذا كان مطيقا له ضابطا وثالثها : أراد إنه لحب الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها : قال الفراء : يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ، ويحب كونه محبا له ، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني ، كما قال :
اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[ إبراهيم : 18 ] أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية وخامسها : قال قطرب : أي إنه شديد حب الخير ، كقولك إنه لزيد ضروب أي أنه ضروب زيد . واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه فقال :

[ سورة العاديات ( 100 ) : آية 9 ]

أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 )
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 262 | فخر الدين الرازي