نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها »
وذكر مقاتل أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يفتن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من مكة إلى أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة في أداء طاعة اللّه وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف ، وعلى القوة في معرفة اللّه وفي مطالعة جلال اللّه .
ورابعها : قوله تعالى :
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
وهذه العندية ليست عندية المكان ، مثل قوله :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ
[ الأنبياء : 19 ] وليست عندية الجهة بدليل
قوله « أنا عند المنكسرة قلوبهم »
بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . وأما
مَكِينٍ
فقال الكسائي : يقال قد مكن فلان عند فلان بضم الكاف مكنا ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل .
[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 21 ]
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 )
وخامسها : قوله تعالى :
مُطاعٍ ثَمَّ
اعلم أن قوله :
ثَمَّ
إشارة إلى الظرف المذكور أعني
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ
[ التكوير : 20 ] والمعنى أنه عند اللّه مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، وقرئ ثم تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة .
وسادسها : قوله :
أَمِينٍ
أي هو أمين على وحي اللّه ورسالاته ، قد عصمه اللّه من الخيانة والزلل .
[ سورة التكوير ( 81 ) : الآيات 22 إلى 24 ]
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 )
ثم قال تعالى :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إنك إذا وازنت بين قوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
[ التكوير : 19 - 21 ] وبين قوله :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
ظهر التفاوت العظيم :
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع ، وهذا مفسر في سورة النجم
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
أي : وما محمد على الغيب بظنين والغيب هاهنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن اللّه ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل اللّه ، قال الفراء :
يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل وثانيها : قوله :
عَلَى الْغَيْبِ
ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال : فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا . ثم قال تعالى :
[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 25 ]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 )
كان أهل مكة يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ، فنفى اللّه ذلك ، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال ، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي ؟ قلنا بينا أن