تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
وهو مثل قوله :
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ
[ المدثر : 33 ، 34 ] وقوله :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
إشارة إلى تكامل طلوع الصبح فلا يكون فيه تكرار . وأما قوله تعالى :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
أي إذا أسفر كقوله :
وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ
[ المدثر : 34 ] ثم في كيفية المجاز قولان : أحدهما : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على المجاز ، وقيل تنفس الصبح . والثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرك ، واجتمع الحزن في قلبه ، فإذا تنفس وجد راحة . فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس وهو استعارة لطيفة . واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال :

[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 19 ]

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) وفيه قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبريل : فإن قيل : هاهنا إشكال قوي وهو أنه حلف أنه قول جبريل ، فوجب علينا أن نصدقه في ذلك ، فإن لم نقطع بوجوب حمل / اللفظ على الظاهر ، فلا أقل من الاحتمال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام اللّه ، وبتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزا ، لاحتمال أن جبريل ألقاه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل الإضلال ، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم لا يفعل الإضلال ، لأن العلم بعصمة جبريل ، مستفاد من صدق النبي ، وصدق النبي مفرع على كون القرآن معجزا ، وكون القرآن معجزا يتفرع على عصمة جبريل ، فيلزم الدور وهو محال والجواب : الذين قالوا : بأن القرآن إنما كان معجزا للصرفة ، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فرارا من هذا السؤال ، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة ، بل في سلب تلك العلوم والدواعي عن القلوب ، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا اللّه تعالى . القول الثاني : أن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر في هذه السورة ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال ، إنما هو قول جبريل أتاه به وحيا من عند اللّه تعالى ، واعلم أنه تعالى وصف جبريل هاهنا بصفات ست أولها : أنه رسول ولا شك أنه رسول اللّه إلى الأنبياء فهو رسول وجميع الأنبياء أمته ، وهو المراد من قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ النحل : 2 ] وقال :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ، 194 ] وثانيها : أنه كريم ، ومن كرمه أنه يعطي أفضل العطايا ، وهو المعرفة والهداية والإرشاد .

[ سورة التكوير ( 81 ) : آية 20 ]

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) وثالثها : قوله :
ذِي قُوَّةٍ
ثم منهم من حمله على الشدة ، روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل « ذكر اللّه قوتك ، فماذا بلغت ؟ قال رفعت قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحي حتى إذا سمع أهل السماء
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 69 | فخر الدين الرازي