تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الوتر هو اللّه لوجوه الأول : أنا بينا أن قوله :
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
تقديره ورب الشفع والوتر ، فيجب أن يراد بالوتر المربوب فبطل ما قالوه الثاني : أن اللّه تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى يتميز من غيره ، وروي أن عليه الصلاة والسلام سمع من يقول اللّه ورسوله فنهاه ، وقال : « قل اللّه ثم رسوله » قالوا : وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إن اللّه وتر يحب الوتر » ليس بمقطوع به وسادسها : أن شيئا من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعا ووترا فكأنه يقال : أقسم برب الفرد والزوج من خلق فدخل كل الخلق تحته ، ونظيره قوله :
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ
[ الحاقة : 38 ، 39 ] وسابعها : الشفع درجات الجنة وهي ثمانية ، والوتر دركات النار وهي سبعة وثامنها : الشفع صفات الخلق كالعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت ، أما الوتر فهو صفة الحق وجود بلا عدم ، حياة بلا موت ، علم بلا جهل ، قدرة بلا عجز ، عز بلا ذل وتاسعها : المراد بالشفع والوتر ، نفس العدد فكأنه أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه وهو بمنزلة الكتاب والبيان الذي من اللّه به على العباد إذ قال :
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 4 ، 5 ] ، وقال :
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 4 ] . وكذلك بالحساب ، يعرف مواقيت العبادات والأيام والشهور ، قال تعالى :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
[ الرحمن : 5 ] وقال :
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ يونس : 5 ] وعاشرها : قال مقاتل الشفع هو الأيام والليالي والوتر هو اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة الحادي عشر : الشفع كل نبي له اسمان مثل محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذي النون والوتر كل نبي له اسم واحد مثل آدم ونوح وإبراهيم الثاني عشر : الشفع آدم وحواء والوتر مريم الثالث عشر : الشفع العيون الاثنتا عشرة ، التي فجرها اللّه تعالى لموسى عليه السلام والوتر الآيات التسع التي أوتى موسى في قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ
[ الإسراء : 101 ] ، الرابع عشر : الشفع أيام عاد والوتر لياليهم لقوله تعالى :
سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
[ الحاقة : 7 ] الخامس عشر : الشفع البروج الإثنا عشر لقوله تعالى :
جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
[ الفرقان : 61 ] والوتر الكواكب السبعة السادس عشر : الشفع الشهر الذي يتم ثلاثين يوما ، والوتر الشهر الذي يتم تسعة وعشرين يوما السابع عشر : الشفع الأعضاء والوتر القلب ، قال تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ، الثامن عشر : الشفع الشفتان / والوتر اللسان قال تعالى :
وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ
[ البلد : 9 ] التاسع عشر : الشفع السجدتان والوتر الركوع العشرون : الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة ، واعلم أن الذي يدل عليه الظاهر ، أن الشفع والوتر أمران شريفان ، أقسم اللّه تعالى بهما ، وكل هذه الوجوه التي ذكرناها محتمل ، والظاهر لا إشعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين ، فإن ثبت في شيء منها خبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو إجماع من أهل التأويل حكم بأنه هو المراد ، وإن لم يثبت ، فيجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز لا على وجه القطع ، ولقائل أن يقول أيضا : إني أحمل الكلام على الكل لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد العموم ، أما قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
ففيه مسائل : المسألة الأولى :
إِذا يَسْرِ
إذا يمضي كما قال :
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
[ المدثر : 33 ] وقوله :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ
[ التكوير : 17 ] وسراها ومضيها وانقضاؤها أو يقال : سراها هو السير فيها ، وقال قتادة :
إِذا يَسْرِ
أي إذا جاء وأقبل . المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل العموم بدليل قوله :
وَاللَّيْلِ إِذْ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 150 | فخر الدين الرازي