لأنه قرن به قوله :
وَلَيالٍ عَشْرٍ
ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة الثالث : المراد فجر المحرم ، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أمورا كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة ،
وفي الخبر « إن أعظم الشهور عند اللّه المحرم » ،
وعن ابن عباس أنه قال : فجر السنة هو المحرم فجعل جملة المحرم فجرا ورابعها : أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه ، وفيها حياة الخلق ، أما قوله :
وَلَيالٍ عَشْرٍ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم اللّه به لأنها ليال مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة .
المسألة الثانية : ذكروا فيه وجوها أحدها : أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بهذا النسك في الجملة ،
وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر
وثانيها : أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره ، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام ، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به الأخبار وثالثها : أنها العشر الأواخر من شهر رمضان ، أقسم اللّه تعالى بها لشرفها وفيها ليلة القدر ، إذ
في الخبر « اطلبوها في العشر الأخير من رمضان » ،
وكان عليه الصلاة والسلام ، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر ، وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد ، وأما قوله :
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : الشفع والوتر ، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج والفرد ، قال يونس :
أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معا ، وتقول أوترته أوتره إيتارا أي جعلته وترا ، ومنه
قوله عليه الصلاة والسلام : « من استجمر فليوتر »
والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس ، والفتح قراءة أهل المدينة وهي لغة حجازية .
المسألة الثانية : اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر ، وأكثروا فيه ، ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها : أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ، وإنما أقسم اللّه بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما
في الحديث « الحج عرفة » ،
وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض ، والحلق والرمي ،
ويروى « يوم النحر هو يوم الحج الأكبر »
فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم اللّه بهما وثانيها : أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة ، قال اللّه تعالى :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 203 ] والشفع هو يومان بعد يوم النحر ، الوتر هو اليوم الثالث ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من وجهين الأول : أن العيد وعرفة دخلا في العشر ، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما الثاني : أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام ، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك وثالثها :
الوتر آدم شفع بزوجته ، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو اللّه تعالى
ورابعها :
الوتر ما كان وترا من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعا منها ،
روى عمران بن الحصين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « هي الصلوات منها شفع ومنها وتر »
وإنما أقسم اللّه بها لأن الصلاة تالية للإيمان ، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات وخامسها : الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
[ الذاريات :
49 ] وقوله :
وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً
[ النبأ : 8 ] والوتر هو اللّه تعالى ، وقال بعض المتكلمين : لا يصح أن يقال