المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة ، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأول ، ولأنه على خلاف قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
[ القيامة : 16 ] .
أما قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
ففيه احتمالان أحدهما : أن يقال : هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئا ، قال الكلبي : إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا ، وعلى هذا التقدير يكون الغرض من قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أحد أمور أحدها : التبرك بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] وكأنه تعالى يقول : أنا مع أني عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن / وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها وثانيها : قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئا ، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسيا لذلك لقدر عليه ، كما قال :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الإسراء : 86 ] ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] مع أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك البتة ، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن اللّه تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل اللّه وإحسانه لا من قوته وثالثها : أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كل ما ينزل عليه من الوحي قليلا كان أو كثيرا أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التثبت والتحفظ والتيقظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السلام على التيقظ ، في جميع الأحوال ورابعها : أن يكون الغرض من قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
نفي النسيان رأسا ، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء [ اللّه ] ، ولا يقصد استثناء شيء . القول الثاني : أن قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
استثناء في الحقيقة ، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوها أحدها : قال الزجاج : إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك ، فإذا قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسيانا كليا دائما ،
روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال :
نسيتها .
وثانيها : قال مقاتل : إلا ما شاء اللّه أن ينسيه ، ويكون المراد من الإنساء هاهنا نسخة ، كما قال :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[ البقرة : 106 ] فيكون المعنى إلا ما شاء اللّه أن تنساه على الأوقات كلها ، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به ، فيصير ذلك سببا لنسيانه ، وزواله عن الصدور . وثالثها : أن يكون معنى قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
القلة والندرة ، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن ، فإنه لو نسي شيئا من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع ، وإنه غير جائز .
أما قوله تعالى :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
ففيه وجهان أحدهما : أن المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان ، فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه والثاني : أن يكون المعنى : فلا تنسى إلا ما شاء اللّه أن ينسخ ، فإنه أعلم بمصالح العبيد ، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ . أما قوله :
[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 8 ]
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ( 8 )
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اليسرى هي أعمال الخير التي تؤدي إلى اليسر ، إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه