أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش ، وهذا القول ضعيف لأن قوله :
نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضي البتة القول الثاني : أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله :
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
على الاستئناف على معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر ، ويدل على الاستئناف قراءة عبد اللّه سنتبعهم ، فإن قيل : قرأ الأعرج ثم نتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك في ألم ، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل ، قلنا : القراءة الثابتة بالتواتر نتبعهم بحركة العين ، وذلك يقتضي المستقبل ، فلو اقتضت القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين ، وإنه غير جائز .
فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كما روي في بيت امرئ القيس :
واليوم أشرب غير مستحقب
ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل بأولئك المتقدمين قال :
كَذلِكَ / نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
أي هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين ، فلا جرم في جميع المجرمين ، لأن عموم العلة يقتضي عموم الحكم .
ثم قال تعالى :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في الدنيا ، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة .
السؤال الثاني : المراد من الإهلاك في قوله :
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
هو مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب ؟
فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفا للكفار ، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يصلح تحذيرا للكافر ، وإن كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب ، فقوله :
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
يقتضي أن يكون اللّه قد فعل بكفار قريش مثل ذلك ، ومن المعلوم أنه لم يوجد ذلك ، وأيضا فلأنه تعالى قال :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] الجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب ، وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر ؟ سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالثا مغايرا للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة المستعقبة للذم واللعن ؟ فكأنه قيل : إن أولئك المتقدمين لحصرهم على الدنيا عاندوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم في الدنيا والعقوبة الأخروية دائما سرمدا ، فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر .
[ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 20 إلى 24 ]
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 )
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين : الأول : أنه تعالى