قريش تجمع لك مالا ليكون ذلك عوضا مما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد ، فقال : واللّه ما يشبعون فكيف أقدر أن آخذ منهم مالا ، ولكني تفكرت في أمره كثيرا فلم أجد شيئا يليق به إلا أنه ساحر ، فأقول استعظامه للقرآن واعترافه بأنه ليس من كلام الجن والإنس يدل على أنه كان في ادعاء السحر معاندا لأن السحر يتعلق بالجن والثالث : أنه كان يعلم أن أمر السحر مبني على الكفر باللّه ، والأفعال المنكرة ، وكان من الظاهر أن محمدا لا يدعو إلا إلى اللّه ، فكيف يليق به السحر ؟ فثبت بمجموع هذه الوجوه أنه إنما عبس وبسر لأنه كان يعلم أن الذي يقوله كذب وبهتان .
المسألة الثانية : قال الليث : عبس يعبس فهو عابس إذا قطب ما بين عينيه ، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل : كلح ، فإن اهتم لذلك وفكر فيه قيل : بسر ، فإن غضب مع ذلك قيل : بسل .
[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 23 إلى 24 ]
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 )
أدبر عن سائر الناس إلى أهله واستكبر أي تعظم عن الإيمان فقال :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
وإنما ذكره بفاء التعقيب ليعلم أنه لما ولى واستكبر ذكر هذه الشبهة ، وفي قوله :
يُؤْثَرُ
وجهان الأول : أنه من قولهم أثرت الحديث آثره أثرا إذا حدثت به عن قوم في آثارهم ، أي بعد ما ماتوا هذا هو الأصل ، ثم صار بمعنى / الرواية عمن كان والثاني : يؤثر على جميع السحر ، وعلى هذا يكون هو من الإيثار . ثم قال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 25 ]
إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 )
والمعنى أن هذا قول البشر ، ينسب ذلك إلى أنه ملتقط من كلام غيره ، ولو كان الأمر كما قال لتمكنوا من معارضته إذ طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة .
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن الوليد إنما كان يقول هذا الكلام عنادا منه ، لأنه روي عنه أنه لما سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( حم السجدة ) وخرج من عند الرسول عليه السلام قال : سمعت من محمد كلاما ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وأنه يعلو ولا يعلى عليه ، فلما أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن الذي قاله هاهنا من أنه قول البشر ، إنما ذكره على سبيل العناد والتمرد لا على سبيل الاعتقاد . ثم قال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 26 ]
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 )
قال ابن عباس :
سَقَرَ
اسم للطبقة السادسة من جهنم ، ولذلك لا ينصرف للتعريف والتأنيث . ثم قال :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 27 ]
وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ( 27 )
الغرض التهويل . ثم قال :